الدين والسياسات المقارنة

طباعة 2021-06-03
الدين والسياسات المقارنة

ترجمة: عبد الرحمن المري[1]

مقدمة

مات الله، أو هكذا اعتقد نيتشه.  وطوال ما يقرب من قرن ونصف كان أحد أكثر الاعتقادات رسوخًا في العلوم الاجتماعية أن الدين والمنظمات الدينية سوف تختفي من الحياة الاجتماعية (وربما حتى من الحياة الخاصة). سوف يطهر التحديث، المتجسد على شكل تقدم علمي وتخصص بيروقراطي، المجتمع من الخرافة ومن الحاجة إلى الاعتماد على الكنائس لتحقيق الرفاه الاجتماعي. لكن برغم مثل هذه التكهنات، يكشف لنا استطلاع "مسح القيم العالمية" (World Values Survey) أن أكثر من ثلاثة أرباع المُستَطلَعين في 43 دولة لا يزالون يؤمنون بآلهة غيبية من نوع ما، وأن 63% يعدّون أنفسهم متدينين، وأن 70% يدّعون الانتماء إلى طائفة دينية[2]. [1]

توحي مؤشرات تجريبية عديدة إلى أن الإيمان والممارسات الدينية لا تزال سائدة كما في الأزمنة الماضية، إن لم يكن على نحو أكبر[3]. إذ تظهر جماعات دينية جديدة بشكل أسرع مما يتوقعه منظرو العلمنة، وتثبت الأديان الراسخة (الكاثوليكية والإسلام مثلًا) باستمرار القدرة على اكتساب مهتدين إليها في مختلف بقاع العالم. حتى في البلدان الشيوعية والشيوعية سابقًا، تأبى الجماعات الروحية أن تموت، وتعاود الظهور على نحو مثير للإعجاب بعد عقود من قمع تجيزه الحكومات[4].

من المؤسف أن معظم علماء السياسات المقارنة (وعلماء السياسة عمومًا) يعدّون الدينَ موضوعًا هامشيًّا؛ ربما لأن معظم الباحثين في هذا الحقل ما زالوا يتعلقون لا شعوريًّا بأطروحة العلمنة. هذا خطأ خطير لسببين: أولاً، بالنظر إلى درجة ترسخ المعتقدات والمنظمات الدينية بعمق في كل أمة تقريبًا، فإن تجاهل الدين يعني إغفال متغير محتمل مهم في تفسير السياسة. على سبيل المثال، فوجئ مراقبو الثورة الإيرانية عام 1979 بقدرة الإسلام الكامنة على تحشيد أمّةٍ بدا أنها تمر بعملية تحديث سريع (قُرِأَتْ على أنها علمنة). وعلى نحو مماثل، قلة قليلة من المراقبين توقعت أن تكون الكنيسة الكاثوليكية لاعبًا رئيسًا في دمار الشيوعية البولندية. وأتاح التحشيد الانتخابي للأقليات البروتستانتية في بيرو تحقيق ألبرتو فوجيموري نصرًا مفاجئًا في الجولة الأولى من اقتراع عام 1992 ليصبح في النهاية رئيسًا. وفي دول مثل الجزائر والهند والفلبين ويوغوسلافيا، تغلّف الدوافعُ الدينية الصراعات السياسية بطبقة من التداعيات العنيفة. إن الدين بلا أدنى شك يستمر في إثبات وجوده في ميادين السياسة في أنحاء العالم كافة. 

دراسة الدين مهمة أيضًا لسبب ثانٍ. فللرؤى المتبصرة المستمدة من البحث في المعتقدات والمنظمات الدينية تأثير مباشر في أسئلة ذات أهمية كبرى لعلماء السياسة المقارنة. وتتبادر إلى الذهن على الفور هنا الموضوعات الواسعة للعمل الجماعي، وتصميم المؤسسات وبقائها، والارتباط بين الأفكار والمؤسسات. لقد أظهرت الحركات الدينية قدرة استثنائيّة على تحشيد العمل الجماعي، بما في ذلك الاحتجاج السياسي[5]. ومجرد حقيقة أن اليهودية والمسيحية والإسلام والبوذية والهندوسية تستمر في اجتذاب أتباع بعد عدة ألفيات يكشف الكثير عن القوة التعبوية لتلك الحركات الفكرية. كل هذه التقاليد الروحية كانت مركزًا للتعبئة السياسية في العقود الأخيرة، ما يشير إلى أنها أبعد ما تكون عن أن تصبح سياسيًّا أو اجتماعيًّا تقاليد بالية.  

   يمكن أيضًا استخلاص عِبَرٍ حول التنظيم المؤسسي. الكنيسة الرومانية الكاثوليكية اليوم أقدم منظمة هرمية في العالم، وصمدت أكثر بكثير من أي مؤسسة علمانية حاكمة. بل كانت الكنيسة في بعض الأحيان مؤسسة شبه حاكمة لأوروبا عندما كانت الحكومات العلمانية ضعيفة أو نادرة الوجود[6]. الأمر الأكثر إثارة للدهشة أن الفاتيكان يفرض الولاء والطاعة على مئات ملايين الناس المشتتين جغرافيًّا دون الاحتفاظ بجيش دائم أو قوى أمنية. إن فهم آليات هذه السيطرة وكيفية عمل هذا التسلسل الهرمي الحاكم ذو أهمية جوهرية لعلماء السياسة، لكن الأدبيات المتعلقة بصعود الدول وانحدارها عادة ما تغفل هذه الحالة المثيرة للاهتمام.  قد يكون هذا بسبب صغر حجمه (رغم ادعاء الفاتيكان أن أكثر من ثلث سكان العالم أتباع له)، أو لأنه يُنظر إليه على أنه مركز حركة فكرية وليس تراتبية حاكمة.  صحيح أن الكرسي الرسولي يبني شرعيته على اللاهوت أكثر من الحكومات الأخرى التي تبني شرعيتها على الآيديولوجيا، لكن ينبغي اعتبار ذلك فرصة فريدة أمام علماء السياسة لاستكشاف الرابط بين الأفكار والمؤسسات.

على الرغم من أن الدين لا يزال موضوعًا هامشيًّا في السياسات المقارنة، شهد العقدان الماضيان اهتمامًا متجددًا بدراسة الدين بين عدد صغير ولكن متزايد من الباحثين. ولأنه مدفوع بالنمو "المتفجر" والمفاجئ للحركات الأصولية في بعض أكبر الأديان في العالم -اليهودية والمسيحية والإسلام والهندوسية- يأتي هذا الاهتمام المتجدد بحمولات سلبية. فكما هو الحال مع معظم الصرعات الأكاديمية المتعلقة بظواهر عالمية كبرى، ينزع البحث في الأصولية الدينية إلى إنتاج دراسات تؤكد سيرورات "كبيرة" ذات قاعدة تأسيسية محدودة للغاية على المستوى الجزئي. وتطرح المفاهيم العريضة المستخدمة في هذه الدراسات (مثل العولمة والتحديث) مشكلات في تطوير فرضيات قابلة للاختبار. لكن يمكن تصحيح هذه المشكلة بسهولة، فكثير من علماء السياسة والاجتماع وحتى الاقتصاديين يعيدون صياغة دراسة الدين والسياسة بطرائق سوف تعود فائدتها على دراسة السياسة ككل. ما يثير الدهشة أن الكثير من هذا العمل يتجذر في نظرية الخيار العقلاني[7]، وهي مدرسة فكرية تبدو غير قادرة على التعامل مع عالم الروحانيات "غير العقلاني". اليوم تساعد "مدرسة الاقتصاد الديني"، كما تعرف حاليًا، في توفير أسس المستوى الجزئي لبناء فهم نظري عام للدين. واقتران هذه المقاربة بالعمل الفكري الذي أُجري على الدين يوفر إمكانية مثيرة لفهم كيفية تفاعل المؤسسات والأفكار على أساس نظامي.

يستعرض هذا [البحث] الأعمال الحديثة في كل من علم اجتماع الدين وفي الحقل الفرعي للدين والسياسات المقارنة، بقصد تعريف علماء السياسة أن دراسة الدين مسعى جدير بالاهتمام. هذا لا يعني أن على جميع الباحثين تضمين تحليلاتهم متغيرات دينية. أريد فقط بدلًا من ذلك إلقاء الضوء على النتائج النظرية والتجريبية العامة التي يمكن لدارسي الدين أن يأتوا بها إلى ميدان السياسات المقارنة ككل. أبدأ بدراسة أطروحة العلمنة وضعفها العام كإطار تفسيري. والهدف هنا كشف عدد من المفاهيم الخاطئة والمنتشرة على نطاق واسع حول دور الدين في المجتمع والسياسة. ثم أتناول التفسيرات الفكرية لانبعاث الأصولية والحركات الدينية-السياسية الجديدة مؤخرًا. المفارقة أن العديد من الفرضيات المستخدمة في تفسير انبعاث الدين تعتمد على ذات المتغيرات المستخدمة في تفسير الانحطاط المفترض للدين. أخيرًا، أقدم مدرسة "الاقتصاد الديني" بوصفها تصحيحًا (وإن كان غير مكتمل) لعيوب الدراسات الأسبق. إن معظم تنظيرات الخيار العقلاني حول الدين أجراها علماء اجتماع واقتصاديون، لكن مجموعة صغيرة من علماء السياسة يبنون اليوم على أبحاثهم لإنشاء ما يمكن تسميته الاقتصاد السياسي للدين.

 

العلمنة ونقادها

 لو خصصت يومًا جائزة لأكثر نظريات العلوم الاجتماعية ديمومةً، وفي الآن ذاته رثاثةً وبطلانًا، فستكون نظرية العلمنة الفائزة، أو على الأقل الأقرب إلى الفوز. ترجع الفكرة بأن الدين سيصبح في نهاية المطاف لاعبًا هامشيًّا في الحياة الاجتماعية والخاصة إلى القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من الأدلة التجريبية القوية إلى العكس[8]، وبصرف النظر عن مراجعة علماء الاجتماع نظرتهم إلى الدين[9]، لا يزال هذا الرأي قائمًا بين العديد من علماء السياسة. ولفهم سبب سيطرة أطروحة العلمنة بقوة على علماء الاجتماع، من الجدير أولًا فهم ماهية الدين قبل دراسة تفسيرات تقادمه المزعوم (وانبعاثه).

 

تعريف الدين

تعريف الدين مشروع محفوف بالمزالق. ونظرًا إلى الطائفة الواسعة من الحركات التي يُنظر إليها غالبًا على أنها دينية -من اليهودية إلى اليوغا والبوذية والطوائف المؤمنة بوجود كائنات فضائية- لم يُستنبط بعد تعريف جامع واحد يشمل كل هذه الكيانات[10]. مع ذلك، يلخّص [كريستيان] سميث التعريف الأكثر شيوعًا بقوله: "الدين نظام معتقدات وممارسات يتوجه نحو المقدس أو الخارق للطبيعة، ويعطي من خلالها التجارب الحياتية لمجموعات من الناس معنى ووجهة"[11]. في عالمٍ تغلب عليه الحيرة والاضطراب، تشكل الأديان أنظمة عقدية تقدّم معنى منظمًا وتفرض سلوكيات محددة. ويشكل المكون الخارق في الأديان مفتاح تعريفها؛ لأنه يسمح لنا بالتفريق بين الأديان والآيديولوجيات العلمانية، مع أنه يطرح مشكلة في تصنيف أمر مثل الكونفوشيوسية. لكن هذا التعريف يشمل الديانات الغربية "الثلاثة الكبرى" (اليهودية والمسيحية والإسلام) والجزء الأكبر من الديانات الشرقية (مثل الهندوسية والطاوية ومعظم أشكال البوذية). وبهذا يستوعب التعريف المعتقدات والممارسات الروحية للغالبية العظمى من سكان العالم.

كثيرًا ما يتخذ الدين شكلًا مؤسسيًّا (ويمكن على سبيل التبسيط الخطابي تسمية الشكل المؤسسي للدين "كنيسة"، مع أن هذا مصطلح مسيحي في الغالب). وتمتلك جميع التقاليد الدينية تقريبًا نوعًا من القواعد التي تحدد من هو العضو في المجتمع الروحي، وأي الأعضاء يمكنهم إطلاق أحكام رسمية فيما يتعلق بالمحتوى العقدي. وهكذا، ينطوي الدين على علاقات سلطوية، والاعتراف بهذه الحقيقة جزء أساس من التعريف الأوسع للدين، تحديدًا فيما يتعلق بدراسة السياسة، كونه يثير قضية العلاقات بين الكنيسة والدولة.  أصحاب السلطة عمومًا يبحثون عن وسائل الحفاظ على سلطتهم. وقد يعني هذا بالنسبة إلى السلطة الدينية أحيانًا الوصول إلى مساعدة الدولة؛ لأن الجماعات الدينية تفتقر عادة إلى دعم القوة القسرية. كذلك قد يؤدي تداخل السلطة بين الدولة والزعماء الدينيين إلى حدوث صراع (حول قضايا الخدمة العسكرية الإلزامية مثلًا). وقد يستخدم القادة الدينيون مواقعهم المؤسسية لتحدي الحكومات غير الشعبية كوسيلة للحفاظ على سلطتهم أو مصداقيتهم بين الرعية. جوهريًّا، بمجرد الاعتراف أن الدين يتخذ عادة أشكالًا مؤسسية، يصبح دور المصالح، كما المعتقدات والقيم، مهمًّا لتحليل الدين والسياسة. أعود إلى هذه النقطة المهمة أدناه، ويكفي القول حاليًا إن تحديد الجوانب الفكرية والمؤسسية للدين أمر مهم لفهم العلمنة وعواقبها على السياسة.

 

التحديث والعلمنة والسياسة

يقوم مفهوم العلمنة على تصوّر بسيط يفترض التنبؤ بأن عملية التحديث الشاملة ستحل محل الدين. يقول ليتشنر، وهو مدافع متحمس عن أطروحة العلمنة: 

[في] بعض المجتمعات تفقد الرؤى الكونية والمؤسسات المترسخة بشكل غيبيٍ متسامٍ التأثير الاجتماعي والثقافي جراء ديناميات العقلنة (أي السيرورة التي تعمل فيها مختلف المجالات الاجتماعية وفق معاييرها الخاصة)... تنتج العقلنة نمطًا من التعددية الثقافية، والتمايز الاجتماعي، والتخصص التنظيمي في مجتمعات توجد فيها أصلا ثقافات ومؤسسات دينية مؤثرة، وإن لم تكن مهيمنة، مثل المجتمعات الغربية قبل التحول العظيم... على وجه التحديد، حيثما كانت الكنائس الرسمية تسيطر على موارد اقتصادية كبيرة، انخفضت الثروة النسبية ورأس المال الخاص بهذه الكنائس؛ وحيثما كانت السلطة في الماضي تُشَرعَن أساسًا بمصطلحات دينية، وكانت الصراعات السياسية الرئيسة تنطوي بشكل حاسم على دوافع دينية، تمارس الدول البيروقراطية الآن سلطة قانونية عقلانية تفصل بين المجالات المدنية والكنسية؛ وحيثما كانت العضوية الكاملة في الجماعة المجتمعية تعتمد على الهوية الدينية للفرد، وكانت الحصرية المدفوعة دينيًّا شائعة، حوّل الدمج على أساس المواطنة معنى العضوية[12].

 تنشأ ثلاثة اتجاهات متداخلة عندما تستبعد الحداثةُ الدينَ، وتؤثر على الأفكار والمؤسسات في آن. أولًا، يؤدي الاعتماد المتزايد على التفسير العلمي لفهم الحياة إلى تآكل التفسيرات الغيبية التي كانت ضرورية في الماضي. لهذا نتوقع أن يرتبط التقدم المطّرد للعلم بانحدار المعتقد الديني بين السكان، وينبغي أن تكون الدول الأكثر تطورًا علميًّا هي الأقل تدينًا. ثانيًا، مع فقد السكان إيمانهم بالتفسيرات الروحية، تفقد المؤسسات (الكنائس) التي تناصر مثل هذه التفسيرات نفوذها الاجتماعي. المفارقة أن الطبيعة الانقسامية للمسيحية تعزز هذا الاتجاه، فمع ظهور طوائف أكثر تباينًا تدّعي كل منها ملكية الحقيقة المطلقة، ولأنه لا يمكن أن يكون هناك سوى حقيقة مطلقة واحدة، يبدأ الناس التشكيك في صحة جميع الأديان[13]. [2]

تدمر التعددية الدينية بالتالي الدين نفسه. ولذلك يفترض بمرور الوقت أن تكون المؤسسات الدينية وقادتها في تراجع تدريجي من الساحة العامة. ويعزز هذا الاتجاه الاتجاه الأول؛ فبدون ظهور مؤسسات دينية في المجال العام يتراجع التدين الفردي. أخيرًا، تجد الجماعات الدينية نفسها غير ذات أهمية اجتماعيًّا؛ لأن الدول البيروقراطية المتضخمة تتولى العديد من وظائف الرعاية الاجتماعية التي كانت تؤديها الكنائس في الماضي (مثل مساعدة الفقراء). هذه الاتجاهات الثلاثة يفترض أن تتقدم في مسار خطي واحد، دون أي انعكاس. 

سياسيًّا، هناك نتيجتان مهمتان متوقعتان لنظرية العلمنة: أولاً، ينبغي أن يتضاءل باطراد دور القيم والمعتقدات الدينية في صنع القرار السياسي، ولا يجب أن تكون هذه القيم اليوم أساس تحشيد العمل الجماعي مقارنة بما كانت عليه في الماضي. سوف يكون العديد من الحركات الاجتماعية الجديدة التي تنشأ أكثر علمانية بطبيعتها[14]. ويجب أن يتضاءل المحتوى الروحي للحركات الاجتماعية، وينبغي ألّا يكون القادة الدينيون بارزين في هذه الحركات. كما يجب أن تختفي الانقسامات الدينية في السياسة الانتخابية. ثانيًا، على المستوى المؤسسي، تدعم العلمنة الفصل النهائي بين الكنيسة والدولة، ومع تولي الدولة وظائف الكنائس في الرعاية الاجتماعية، لا يبقى الكثير من المنطق في دعم الكنائس بالمال العام أو السياسة الرسمية.  هذا لا يعني أن الفصل بين الكنيسة والدولة ستكون عملية سلسة وخالية من الصراع. في الحقيقة، قد يهاجم قادة الدولة المنظمات الدينية لأن "الحكومة تتنافس مع الطقوس الدينية بإدخال طقوس خاصة بها"[15]. وهكذا، ستبدو عملية العلمنة أحيانًا وكأنها معركة ضارية بين قوى التقدم والقوى التواقة إلى زمن أكثر تقليدية. كما نرى أدناه، سيثبت أن هذه الرؤية حاسمة في تفسير انحرافات أطروحة العلمنة.

 

إعادة النظر في العلمنة

على الرغم من أن نظرية العلمنة تعرضت للنقد منذ الستينيات[16]، فإن الأحداث السياسية في أواخر السبعينيات والثمانينيات أدت إلى انهيار النموذج برمته. في عام 1979، أطاح رجال الدين الإسلاميون مع دعم شعبي واسع بنظام إيراني يُفترض أنه حديث وعصري. وفي العام نفسه، تحشد الكاثوليك حول "لاهوت التحرير" الجديد وأزاحوا ديكتاتور نيكاراغوا من السلطة. كما بدأت الجماعات الثورية الوليدة في أنحاء أمريكا اللاتينية كافة تخطب ود الكاثوليك التقدميين وتدعوهم للانضمام إلى حركاتها. في الولايات المتحدة أسس المسيحيون التبشيريون المحافظون "الأغلبية الأخلاقية"، ولعبوا دورًا مهمًّا في انتخاب الرئيس رونالد ريغان. وفي الهند بدأت الاشتباكات بين الهندوس والمسلمين تتخذ أبعادًا سياسية خطيرة في أكبر ديمقراطية من حيث عدد السكان في العالم. لم يتنبأ منظرو العلمنة بأي من ذلك. كان يُعتقد في السابق أن الدين على وشك الانقراض، لكنه عاد بقوة من جديد. لذلك لا يستغرب أن يشهد البحث في الحركات الروحية وفي الدين والسياسة انبعاثًا وعصر نهضة جديدًا.

في حين نظر عدد من الباحثين إلى الطاقة السياسية المتجددة للدين بوصفها رد فعل عنيف ضد عملية العلمنة/ التحديث، فأعادوا بذلك إحياء ما بدا أنه نظرية بالية (انظر أدناه)، بدأ آخرون الجدل بأن العلمنة لم تكن قط نظرية جيدة منذ البداية. فهي تجريبيًّا لم تتكيف مع الحقائق؛ لأن معظم أدلة المسوحات أظهرت أن مقاييس التدين المختلفة في الولايات المتحدة وأوروبا لم تكن تتجه نحو الانخفاض بل كانت مستوية أساسًا أو تزداد بشكل طفيف[17]. تواصل الولايات المتحدة -وهي جدلًا الدولة الأحدث في العالم- إظهار مستويات عالية من التدين إلى حد استثنائي مقارنةً بالعديد من أجزاء العالم الأخرى. كما تتوسع الحركات الدينية "الجديدة" (مثل المورمون وشهود يهوه) بمعدلات سريعة تاريخيًّا في جميع أنحاء العالم[18]، حتى في روسيا حيث حاولت دولة علمانية لأكثر من 70 عامًا استئصال المعتقد الديني.[19]

أخيرًا، تفترض نظرية الانحطاط التدريجي والطويل للتدين أن ثمة "عصرًا ذهبيًّا" للتدين وجد في الماضي وجرى الانحدار منه. لكن حتى هذا الادّعاء يخضع لتمحيص دقيق الآن. كانت أوروبا القروسطية مليئة بأفراد غير متدينين، خاصة بين الطبقات الدنيا، لم تشملهم خدمات القساوسة.[20] والأسطورة بأن المستعمرات البريطانية في أمريكا كانت تطفح بالروحانية تتجاهل حقيقة أن معظم المستوطنين كانوا مشردين مغامرين لا تربطهم صلة تُذكَر بكنيسة أو أسرة أو مجتمع[21]. حتى في أمريكا اللاتينية، التي يُفترض أنها حصن الكاثوليكية الحصين لخمسة قرون، كان حضور القداديس دائمًا منخفضًا لدرجة مخزية، إلى حد بعيد بسبب قلة عدد القساوسة القادرين على أداء الطقوس الدينية[22]. وعلى الرغم من قلة الأدلة المسحية، يفترض معظم العلماء أن الناس في كل هذه الحالات -أوروبا القروسطية والولايات المتحدة المستعمَرة وأمريكا اللاتينية طوال معظم تاريخها- كانوا يؤمنون بآلهة أو قوى غيبية من نوع ما. المشكلة الحقيقية أن الانتشار المؤسسي للكنائس آنذاك كان أضعف مما هو عليه اليوم.  لكن بمرور الوقت ازداد الاختراق الاجتماعي للكنائس، ولم ينخفض ​​كما تنبأ منظرو العلمنة[23]. هذه الاستنتاجات ينبغي أن تستوقف علماء السياسات المقارنة. ولا ينبغي الافتراض عرضًا بأن تأثير الدين في السياسة كان أكثر في الحقب السابقة[24]. فالدين في كثير من الأحيان يستخدم وسيلة ثانوية لتبرير تباينات النماذج التنبؤية.

قوضت جميع الملاحظات أعلاه أسس نظرية العلمنة، لكن "كرة الهدم" التي دمرتها تمامًا كانت البروز المفاجئ للأصولية الدينية وأجندتها السياسية العدوانية خلال النصف الأخير من القرن العشرين. لذلك تهيمن على الأجندة البحثية الحالية في مجال الدين والسياسات المقارنة محاولات تفسير أصول هذه الحركات الدين-سياسية الجديدة.

 

الأصولية والسياسة الجديدة

في عام 1991 نشر المجلد الأول من مجموعة ضخمة تتناول الأصولية الدينية في أربعة مجلدات برعاية "مشروع الأصولية"[25]، الأمر الذي يعكس اهتمامًا متجددًا بدراسة الحركات الدينية الجديدة في كل جزء من العالم. خصص المجلد الثالث من السلسلة بالكامل للنظر في التأثير السياسي لمثل هذه الحركات[26]. لكن المجلدات الأربعة بمجملها لفتت الانتباه إلى التداعيات السياسية للأصولية الدينية، وبدا كما لو أن جميع الحركات قيد الدراسة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بعمل سياسي "تخريبي" من نوع ما[27]. في الواقع كانت السمة المهيمنة على معظم الحركات الدينية الجديدة التي نشأت في الثلاثين عامًا الماضية هي موقفها الصدامي، وغالبًا المحافظ، ضد السلطات العلمانية القائمة. لهذا اعتبرت تلك الحركات أيضًا جماعات دينية-سياسية، أو جزءًا من "سياسة دينية جديدة"[28]. ظهرت بقوة جماعات ثورية إسلامية مصممة على الإطاحة بالحكام العلمانيين في إيران ومصر والجزائر. وأحبطت جماعات يهودية مسيحانية متطرفة محاولات التوصل إلى اتفاقيات سلام في إسرائيل. وسعي "اليمين المسيحي الجديد" في الولايات المتحدة إلى إلغاء طائفة متنوعة من قوانين اعتبرها مضرة بنمط الحياة الأخلاقية. وكانت لأحزاب مثل "بهاراتيا جاناتا" [حزب الشعب] وحركة "فيشوا هندو باريشاد" [المجلس الهندوسي العالمي] ردة فعل قوية على ما عدوه تجاوزات الديمقراطية التعددية في الهند. أما لاهوتيو التحرير ومجتمعات القاعدة المسيحية في أمريكا اللاتينية -وهم فريدون في موضوعات الدراسات الدينية المقارنة من حيث كونهم تقدميين- فأصبحوا معارضين صريحين للأنظمة الديكتاتورية. [3]  

أثارت هذه التطورات دهشة الباحثين إلى حد أبعد لأن الدين كان ينظر إليه من زمن طويل على أنه أحد أعمدة الوضع القائم.

 

أصول الأصولية

تهيمن على أدبيات الدين في السياسة المقارنة محاولات تفسير أصول هذه الحركات الدين-سياسية الأصولية الجديدة. ويلخص مارتي وأبلبي الأطروحة الأكثر قبولًا في تفسير هذا اللغز:

تنشأ الأصولية أو تبرز في أوقات الأزمات، سواء واقعية أو متصورة [التشديد في النص الأصل.]. قد يكون الشعور بالخطر مرتبطًا بظروف اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية قمعية ومهدِدة، لكن الأزمة الناجمة تُعد أزمة هوية بالنسبة إلى الذين يخشون فناءهم كشعب، أو انحلالهم في ثقافة توفيقية شاملة إلى درجة تقوض تميزهم في الاندفاع نحو التجانس[29].

تبقى الطبيعة الدقيقة لهذه الأزمات متنوعة[30]، لكن القوة الدافعة الأساس وراءها جميعًا هي عامل مشترك في نظريات الدين السابقة - الموقف من التحديث. "تنزع الحداثة إلى تقويض اليقينيات المُسلم بها والتي عاش بمقتضاها الناس معظم فترات التاريخ. وهذه حالة غير مريحة، وبالنسبة إلى كثيرين لا تطاق، ولذلك تتمتع الحركات الدينية التي تدعي تقديم اليقينيات بجاذبية كبيرة"[31].

قد تكون العلاقة السببية بين التحديث والصحوات الأصولية ناجمة عن تحريض ظروف مادية. وكما يوضح ديفز:

 لا يتطور المجتمع والثقافة دائمًا جنبًا إلى جنب، بل قد يصبح التمايز الاجتماعي والثقافي "على العكس غير متزامن". خذ على سبيل المثال المعاناة الاجتماعية والوجودية الناجمة عن النمو الاقتصادي السريع وغير المتوازن، أو عن الموجات الكارثية من التضخم أو الانكماش الاقتصادي.  يتعامل المجتمع مع مثل هذه الأزمات أحيانًا بأن يفرض على نفسه عمدًا نظامًا ثقافيًّا أبسط، مُمثّلًا برموزٍ تعود إلى مستويات تطور أسبق أو أكثر "بدائية"، أو قيمًا يعتقد أنها أفضل أو أكثر أصالة لأنها متأصلة "في البدء"...[32].

في أحيان كثيرة، يظهر التأثير النفسي الضار للتمدن -وهو بدوره نتيجة للتصنيع ورسملة الزراعة- بوصفه تفسيرًا لصعود الأصولية الدينية[33]. ويمكن شرح هذا ببساطة في أن الصعوبات المادية تحدث اغترابًا أو "لا معيارية" اجتماعية عامة تدفع الناس للانضمام إلى مجموعات دينية جديدة تعد بإنهاء سبب تلك الصعوبات.

لكن الظروف المادية ليست المصدر الوحيد لظهور جماعات دينية-سياسية جديدة. كثيرًا ما يُقال إن مشروع التحديث لا يرتبط فقط بالتقدم الاقتصادي المتزايد، بل يحوي أيضًا مكونات آيديولوجية وثقافية مهمة. وتتعرض الأفكار الصادرة من أوروبا والولايات المتحدة حول الشكل الذي يجب أن تبدو عليه الحداثة لانتقادات متزايدة من قبل الحركات الدينية الجديدة.  

إن الديمقراطية، والثقافة السياسية التعددية، وحقوق الإنسان، والتسامح الليبرالي نتاج أساس للحداثة الثقافية. ففي وقت مبكر من عصر النهضة، نجد مكيافيلي يبتعد عن مفهوم النظام الإلهي في ترسيخ فكرة أن الإنسان يمكن أن يحكم نفسه بنفسه. وقد استُخدم مفهوم حكم الشعب للشعب (أي السيادة الشعبية) لاحقًا أساسًا لشرعية الدولة القومية العلمانية، ويعتقد البعض أن التطورات العلمية ساهمت في قيام حضارة عالمية توحد البشرية جمعاء. كما يقول [بسام] الطيبي:

يتحدى الأصوليون المتدينون هذه الافتراضات. فالحداثة رعت فكرة أن الرجال/ النساء أفراد، والأصوليةُ تعيد الأفراد إلى الكيان الجمعي... وهكذا، فالارتباط العضوي بحضارة، وليس الإرادة الحرة بأن يكون الفرد عضوًا مشاركًا في جسم سياسي ديمقراطي، هو النظرة البديلة التي تقدمها الأصولية للإنسان[34].

في الوقت الحالي، تواجه القوميات العلمانية في العالم الثالث، وهي بحد ذاتها مخلفات سياسية للمرحلة الاستعمارية، تحديات من فاعلين سياسيين يحملون مثل هذه الرؤية البديلة لشكل الحكم الاجتماعي –"الدولة الدينية الجديدة"[35].

من المثير للاهتمام أن المتغير التفسيري الأساس الذي يقترح لتعليل انخفاض مستويات التدين في المجتمع هو نفسه المتغير المطروح لتفسير الزيادة في الناشطية الدينية: التحديث. هذا يطرح معضلة نظرية، فحيث يقال إن الدين ضعيف أو في حالة تدهور (كما في أوروبا مثلًا) يكون التحديث هو الجاني. وحيث يكون الدين في صعود (كما في الولايات المتحدة أو العالم الثالث مثلًا) يكون التحديث أيضًا هو العامل المسبب. وهكذا يستخدم المتغير المستقل ذاته ليفسر فرضيًّا نتيجتين متعارضتين كلية. طبعًا، يمكن حل هذه المشكلة بالتحديد الواضح للآليات التي تؤدي من خلالها جوانب التحديث المختلفة إلى نتائج مختلفة في سياقات مختلفة. تقترب [نيكي] كيدي[36] أكثر من غيرها لتحقيق ذلك بالجدل في أنه حيثما يوجد فعلًا تقليد ديني قوي ("التدين والطائفية") يشترك فيه جزء واسع من السكان، فإن تمظهرات التحديث المختلفة ستخلق حركات دينية جديدة. والقومية العلمانية هي النتيجة البديلة "في بلدان يكون فيها التدين والطائفية ضعيفين"[37]. على الرغم من أن هذه محاولة قيمة لحل المشكلة النظرية الشائكة المطروحة أعلاه، إلا أن كيدي للأسف لا تفعّل متغيراتها السياقية إجرائيًّا بدرجة كافية للاختبار، مع أن تعريفاتها العامة تترك هذا الاحتمال مفتوحًا[38]

مع ذلك، يبقى اقتراح كيدي تقدمًا واضحًا على الغالبية العظمى من أدبيات الحركات الأصولية، التي تفشل في تجاوز تعميمات عريضة يصعب اختبارها تجريبيًّا. والمؤكد أن تفعيل العقليات الثقافية بطبيعتها مهمة صعبة.  إذ لا يمكن التكهن بما إذا كان رد فعل مجتمع ثقافي على التحديث هو أن يتعلمن أو يتبنى أصولية دينية، إلا بوجود حركة إحياء للعلمنة أو للأصولية فيه. نظريًّا، يرتبط المتغير التابع هنا بتعريف المتغير المستقل، فتتحول الحجة والجدل إلى مجرد حشو. وهناك علاوة على ذلك مشكلة في وحدة التحليل. إذ يفترض أن تؤثر الحداثة على ثقافات بأكملها، أو على الأقل ثقافات فرعية معينة (مثل المهاجرين الحضريين). مع ذلك، تبقى الأدلة هزيلة على أن هناك ثقافات بأكملها تتحول إلى حركات دين-سياسية جديدة. في الواقع، تشير الملاحظة العرضية إلى أن المشاركين الفاعلين في حركات أصولية دينية لا يمثلون سوى أقلية صغيرة من السكان المستهدفين المتأثرين بشرور التحديث. ما ينقص نظريات الأصولية الحالية (على الأقل ضمن أدبيات العلوم السياسية) هو التركيز المنهجي على الفرد. بعبارة أخرى، تفتقر هذه النظريات إلى أسس متينة على المستوى الجزئي. وإلى أن يتم حل هذه المشكلات النظرية والمنهجية، ستبقى تفسيرات ظهور حركات دينية-سياسية جديدة "تنظيرًا عظيمًا" غير قابل للتزوير، إلى الدرجة نفسها التي كانت عليها أطروحة العلمنة من قبل.

 

سياسات الأصولية

 بغض النظر عن الصعوبات النظرية والمنهجية في شرح أصول الأصولية، يبدأ الباحثون الآن مناقشة التداعيات السياسية للحركات الدين-سياسية الجديدة. ولو أخذنا بالاعتبار الأدبيات النظرية حول أصول الأصولية، لا ينبغي أن نتفاجأ بأن الصراع السياسي هو النتيجة الأكثر ترجيحًا لإحياء الأصولية. ولا يطرح الصراع فقط من حيث الكنيسة ضد الدولة (العلمانية)، بل يُنظر إليه أيضًا على أنه "صدام حضارات"[39]. سوف تُخاض المعارك السياسية في عالم ما بعد الحرب الباردة حول مفهومين مختلفين كلية للتنظيم الحكومي –أحدهما يقوم على مفهوم السيادة الشعبية (الديمقراطية)، والآخر متجذر في "الحق الإلهي" (القومية الدينية)[40]. والصراع دولي بطبيعته، إذ لا تتوافق الحدود السيادية تمامًا لهاتين النظرتين إلى العالم. يُجادل بأن الدول العلمانية تبني آيديولوجيات (أو "مجتمعات متخيلة") تستند أساسًا إلى الولاء للإقليم الجغرافي، في حين تنظر الحركات الدينية الجديدة إلى العضوية الوطنية بوصفها اتباعًا لمجموعة قيود عقدية. [4]

غالبًا ما تكون معايير العضوية والمشاركة في هذين العالمين متضاربة، ما يؤدي ليس فقط إلى حرب أهلية في دول تعددية دينيًّا بل أيضًا إلى صراع دولي. وكما يشير الطيبي في مناقشة الأصولية الإسلامية:

الديمقراطيات دول قومية علمانية تقوم على مبدأ السيادة الشعبية. وهذا النموذج الغربي أصبح أساسًا لوحدة البشرية، برغم الاختلافات العديدة في الدين والإثنية. على العكس من ذلك، تفاقم فكرة "حكومة الله" بوصفها أمرًا إلهيًّا... وهي الفكرة التي يقدمها الأصوليون الإسلاميون بديلًا عالميًّا للدولة العلمانية، تفاقم من تقسيم الإنسانية إلى حضارات. كما تمزق السياسات الأصولية سكان الدول القائمة متعددة الأديان والإثنيات... إلى تكتّلات مفبركة... تقسيم سكان البوسنة والهرسك إلى ثلاثة كيانات جمعية، ينتمي كل منها إلى حضارة متميزة، مثال راهن على ذلك. ولا يمكن لأي مراقب حكيم أن يمنع مثل هذا المصير عن الهند أو دول أخرى إذا استمر الأصوليون في رسم خطوط الصدع للصراع الذي صرحوا به علنًا.... إن الطابع العالمي للأصولية الدينية ينذر بعصر من الفوضى والصراع المفتوح، على مستوى الدولة وعلى مستوى النظام الدولي العالمي في آن[41].

 على النقيض من الحروب الدولية التقليدية التي قامت على أسس جغرافية، سوف يقوم الصدام "الحتمي" بين الحضارات بطرق أقل تقليدية بكثير، أي من خلال الإرهاب[42].  

   في قلب هذه الحجة تكمن فكرة أن الدين، لا سيما الأصولية الدينية، لا يتوافق مع الحكم الديمقراطي[43].  الديمقراطية تعتمد على إرادة الشعب، التي يمكن أن تكون متقلبة ونسبية، وتشكل التسوية والتسامح قيمًا أساسية في الديمقراطيات الفاعلة. من الجهة المقابلة، يتعامل الدين مع حقائق مطلقة. وعندما تُجسّد القوانين إرادة الله، فلا مجال للمساومة. حينها يصبح التسامح مع وجهات النظر البديلة أقرب إلى تقبّل الهرطقة. لاحظ [إيهود] سبرينزاك في نقاشه الأصولية اليهودية في إسرائيل، أن الأصولية تقوض أساس الديمقراطية:

من المهم ملاحظة أنه لا توجد ديمقراطية على وجه الأرض تخلو من التوترات والصراعات والفساد ودرجة معينة من العنف.  لكن إذا احترمت غالبية الأطراف المتصارعة مجموعة معينة من المُثُل الديمقراطية والمبادئ الثقافية، فلن تصبح هذه التوترات مَرَضية ويمكن للنظام أن يتعامل معها. من جهة أخرى، إذا تصاعدت الصراعات دون احترام شامل لهذه القيم، يقع النظام في مأزق. ولكي تستمر الديمقراطية على نحو لائق، لا يكفي أن يحترم جميع شركاء النظام مؤسساتها رسميًّا. من الضروري أيضًا احترام قيمها والتكيف الإيجابي مع نظامها القانوني/ القضائي. هذا اليوم هو عقب أخيل الديمقراطية الإسرائيلية ومشكلة التطرف الديني الجديد. فحتى أولئك القوميون المتطرفون والأصوليون الذين يقولون إنهم ملتزمون بالديمقراطية على طريقتهم الخاصة يشكلون خطرًا جسيمًا لأن التزامهم ذرائعي وولاءهم مشروط[44].

إذا أخذنا في الاعتبار التوسع العالمي السريع للحركات الأصولية، فاستنتاج سبرينزاك ينذر بالسوء لأفق تعزيز الموجة الأخيرة من الديمقراطية.

لا يشترك جميع الباحثين في تبنّي هذا التشخيص المتشائم. إذ لوحظ، أولاً، أن الحركات الأصولية وناشطيتها السياسية ليست جديدة تمامًا، فقد ظهرت حركات مسيحانية ثم ما لبثت أن اختفت على امتداد ألفيات عدة[45]. ثانيًا، جادل البعض بأن أعضاء أكثر الجماعات الأصولية تطرفًا لا يشكلون سوى أقلية صغيرة جدًّا من الأديان التي يمثلونها.  وعلى الرغم من أنه حتى عصابات صغيرة من المتعصبين يمكنها نشر فوضى عارمة إن توفرت لها الأسلحة المناسبة، فإن هذا لا يشكل حركة عالمية تقارب صدام حضارات. طبقت هذه الحجة بشكل كبير على حالات الأصولية الإسلامية، الأمر الذي "حطم أسطورة" أن جميع المسلمين متطرفون[46]. يجادل روبنسون[47] وإسبوزيتو وفول[48] بأن الأصولية الإسلامية لا ينبغي أن تكون متعارضة مع الديمقراطية، وأن النتيجة تتوقف على العقيدة والقيم الميتافيزيقية بدرجة أقل من الحسابات الاستراتيجية للمصالح في سياقات مختلفة. واكتشف نصر[49] على نحو مشابه بأن المشاركة الفعالة في الحكم الديمقراطي تروض الاتجاهات الأكثر تطرفًا في الحركات الأصولية الإسلامية. ووجد جرجس[50] أن نظرية "صدام الحضارات" ليست دليلًا إرشاديًّا للسياسة في الدوائر الدبلوماسية العالمية؛ لأن معظم صناع السياسة لا يعتبرون أن ثمة حربًا ثقافية عالمية دائرة. في دراسة مشكلة مختلفة قليلًا تتعلق بصدامات ثقافية محتملة، أظهر لايتين[51] أن التقاليد الدينية -حتى عندما تكون في حالة صراع كامن- لا ينبغي أن تشكل الانقسام الأبرز في عالم السياسة. 

لعل أحدث الحجج التي تتناول الأدوار السياسية للمتطرفين الدينيين هي مقارنة كاليفاس[52] بين حركة أصولية إسلامية في الجزائر المعاصرة وحركة كاثوليكية أصولية (المونتانية المتشددة) في بلجيكا القرن التاسع عشر. كانت كلتا الحركتين معارضتين آيديولوجيًّا للتحرر السياسي، لكن في حين أدت الحالة الجزائرية إلى انهيار الديمقراطية عبر انقلاب عسكري (علماني) في مواجهة التشدد الإسلامي، أذعنت الكنيسة الكاثوليكية في بلجيكا. يمكن عزو النتيجتين المتباينتين ليس إلى اللاهوت (كانت كلتا المجموعتين معاديتين للديمقراطية بشكل صريح) بل إلى التصميم المؤسسي. ففي كلتا الحالتين، اتضح للعديد من القادة الدينيين أن المقاومة الشرسة لعملية التحول الديمقراطي ستضر بالمصالح طويلة الأمد لمؤسساتهم. لكن في حين أن الطبيعة الهرمية للكنيسة الكاثوليكية أتاحت للفاتيكان فرض إرادته على الأساقفة المتطرفين وإيصال التزام موثوق إلى السياسيين البلجيكيين، فإن الطبيعة اللامركزية للإسلام جعلت مثل هذا الالتزام مستحيلًا على المسلمين الجزائريين المعتدلين. ما يقدمه باحثون أمثال نصر ولايتين وروبنسن وكاليفاس في تحليلهم، ويفتقده معظم الاشتغال [البحثي] في الأصولية الدينية، هو الاهتمام بالمصالح التأسيسية التي توجّه الفاعلين الدينيين على المستوى الجزئي. وهذا الاهتمام بالتفاصيل كان عملًا تصحيحًا رئيسًا لمناقشات الدين المجردة إلى أبعد الحدود التي تستخدم مفاهيم ونظريات شائعة يصعب تفعيلها واختبارها.

 

ما وراء الأصولية: النماذج الفكرية للسياسات الدينية

لا تتناول جميع الأبحاث حول انبعاث الدين و"السياسات الدينية الجديدة" الحركات الأصولية المحافظة. الاستثناء الأساس لهذه القاعدة كان حالة لاهوت التحرير والكاثوليكية التقدمية في أمريكا اللاتينية، وهذا مثال على حركة دينية صاعدة لا تنظر إلى الوراء، إلى أزمنة أكثر تقليدية، في محاولة درء آثار العلمنة والتحديث. بدلًا من ذلك، وفي حين قدمت انتقادات لعملية التحديث، تبنت الحركة نظرة تقدمية ضمت العديد من الحجج العلمانية التي هاجمتها الجماعات الدينية السياسية الأكثر محافظة (مثل الاشتراكية العلمانية والماركسية والديمقراطية الليبرالية). أصبح الكاثوليك التقدميون بذلك أنصار الديمقراطية في أجزاء عديدة من أمريكا اللاتينية. ولم تكن المعارك السياسية التي خاضها لاهوتيو التحرير وأبناء أوطانهم تدور حول صدام الحضارات بقدر ما كانت حول الصراع الطبقي. 

لكن، على غرار تحليلات السياسات الدينية المحافظة، أكدت دراسات الكاثوليكية التقدمية العوامل الفكرية في تفسير كيف يمكن لمؤسسة دعمت بحماس الوضع الراهن في الماضي أن تتغير بمثل تلك السرعة الكبيرة. يجادل مينورنغ بأن "نقطة البداية لفهم سياسة الكنيسة [الكاثوليكية] يجب أن تكون مفهومَها لرسالتها. فالطريقة التي تتدخل فيها الكنيسة في السياسة تعتمد أساسًا على الطريقة التي تدرك بها رسالتها الدينية"[53]. يُشار على نطاق واسع إلى أن التغييرات في النظرة العالمية للكنيسة الكاثوليكية الدولية خلال مجلس الفاتيكان الثاني (1962-1965) هي السبب الرئيس في اتخاذ كاثوليكية أمريكا اللاتينية دورًا سياسيًّا أكثر ناشطية[54]. فعلى الرغم من أن عوامل اجتماعية-اقتصادية خارجية (مثل الفقر المتزايد) أدّت دورًا في الحث على إعادة التفكير في دور الكنيسة، كان المتغير الرئيس في تفسير التغيير الديني صعود "وعي ثوري" جديد[55].[5]

  طرأت مؤخرًا عملية تخندق محافظ داخل الكنيسة الكاثوليكية بعيدًا عن لاهوت التحرير والسياسات الأكثر تقدمية لمجلس الفاتيكان الثاني. يعُزى ذلك على نطاق واسع إلى تحول آيديولوجي داخل روما فُرض لاحقًا على المستويات الأدنى للكنيسة. ومع أفول الكاثوليكية التقدمية، انصب اهتمام الباحثين على صعود البروتستانتية التبشيرية في المنطقة[56]. على الرغم من أن البروتستانتية الأمريكية اللاتينية لم تظهر الناشطية السياسية للأصوليات الأخرى حول العالم، فإن طبيعتها المحافظة دفعت العديد من الباحثين إلى افتراض أنها هي أيضًا رد فعل على العلمنة والتفكّك الاجتماعي[57].

ما تشترك به دراسات الكاثوليكية التقدمية هذه مع الكتابات عن الجماعات الأصولية الأكثر محافظة هو التركيز على العوامل الفكرية في مجال الدين والسياسة.  يبدو هذا التركيز منطقيًّا من نواحٍ عدة، على اعتبار أن الدين يتعلق جوهريًّا بالمعتقدات والقيم. وبالنظر إلى أن هذه الأفكار والمعتقدات والقيم هي ما يميز الأديان عن معظم الفاعلين الاجتماعيين الآخرين (باستثناء الحركات الآيديولوجية العلمانية)، من المنطقي افتراض أن العوامل الفكرية ستكون في قلب أي عمل سياسي ديني. مع ذلك، يخاطر الإفراط في التركيز على المتغيرات الفكرية بتجاهل الحقائق في أن جميع الأديان تقريبًا تتخذ شكلًا مؤسسيًّا صارمًا، وأن هذه المؤسسات تفرض مصالح وقيودًا معينة على الفاعلين. إن شمولية تحليل الدين والسياسة يتطلب أخذ العوامل المؤسسية والقائمة على المصالح بجدية أكبر.

 

الاقتصاد الديني: دور المصالح والمؤسسات

اقترح بضع علماء الاجتماع والاقتصاد في العقدين الماضيين نظريات جديدة مثيرة للجدل لتفسير طائفة متنوعة من السلوكيات الدينية. تسبب عملهم في إثارة ضجة كبيرة داخل مجتمع الدراسات الدينية[58]، ويبدأ الآن بالتأثير في دراسة الدين والسياسة. يعتمد عمل هؤلاء العلماء على نظريات الاقتصاد الجزئي (أو الخيار العقلاني) للسلوك البشري، التي كان يُعتقد منذ فترة طويلة أنها عدسة غير مناسبة لمعاينة السلوك الديني. [6]

   لا تتمحور أدبيات الاقتصاد الديني حول موضوع مركزي واحد، كالاشتغال على قضايا العلمنة أو الأصولية، لكن هدفها تفسير المرونة التاريخية للدين، أي فهم لماذا تنزع الأديان المتشددة إلى تحقيق القدر الأكبر من النجاح في التوسّع. في هذا الصدد، توجه مدرسة الاقتصاد الديني خطابها مباشرة إلى منظري العلمنة ودارسي الأصولية (كون الأصوليين ينزعون إلى اتّباع ديانات "متشددة")، غير أن فائدة هذه المقاربة الجديدة تكمن في أنها تنطلق من أساس ثابت في تحليل المستوى الجزئي، بدءًا من الأفراد وصعودًا إلى أنظمة اجتماعية أكبر.

 

الأفراد والمؤسسات والأسواق

على عكس ما قد يتوقعه المرء، فإن النظريات الاقتصادية الحديثة للدين لا تختزل الدين في أسباب مادية. الافتراض الأولي هو أن المتدينين يجدون قيمة جوهرية من نوع ما في الإيمان بعقيدة دينية، سواء لراحة البال أو للخلاص[59].  لذلك يصبح السؤال كيف يسعى المستهلكون (الرعية) والمنتجون (رجال الدين) لإشباع رغباتهم الدينية. تنطلق التفسيرات من مستوى المستهلك الفرد إلى المستوى المؤسسي للمنتجين (رجال الدين والكنائس) وأخيراً إلى السوق الدينية (أي تفاعل الكنائس المختلفة مع بعضها ومع الحكومة).

تبدأ نماذج الاقتصاد الديني على المستوى الفردي بافتراض أن الناس يسعون إلى تحقيق أقصى قدر من الفوائد على صافي التكلفة. فعندما يحاولون الحصول على أكبر قدر ممكن من الرضا الروحي، يخصصون موارد مختلفة (مثل الوقت والمال) للأنشطة الدينية. يقدم [لورنس] آناكون[60]، اعتمادًا على نظرية بيكر[61] في رأس المال البشري، نموذجًا موحدًا لرأس المال الديني يساعد في تفسير قضايا الهداية الدينية، وتخصيص الوقت مقابل الموارد المالية في المشاركة الدينية، وتأثيرات التزاوج الديني الداخلي. وعلى الرغم من أن نتائج هذه الدراسة المحددة ليس لها تأثير مباشر في البحث السياسي المقارن، فإنها توفر مضامين غير مباشرة مهمة لعلم السياسة. أولاً، لا يعدّ الحراك الملّي (أي التحول إلى ديانات أخرى) ظاهرة غير مألوفة في الأسواق الدينية التعددية، ما يوحي بأن السنّن الدينية ليست سمة ثابتة للثقافة. بعبارة أخرى، يمكن أن تتنوع التفضيلات والخيارات الدينية في أوساط شعب "متجانس ثقافيًّا"، ولا يرجح أن يوجد دين واحد يرضي جميع الناس[62]. يساعد هذا في توفير قاعدة تأسيسية على المستوى الجزئي لمسألة التنظيم الحكومي للدين (انظر أدناه). ويوفر ذلك الاهتمام بالفردانية المنهجية النتيجة المهمة الثانية لأنموذج آناكون، إذ إن بدء تحقيقاته النظرية بالأفراد يمكنه من بناء نظريات أكثر اكتمالًا للسلوك الكلي المرتبط مباشرة بالعمل الفردي. وبذلك يتجنب التعميمات المنتشرة حول مستويات التحليل الأعلى (المجتمعات والثقافات) الشائعة في أدبيات العلمنة والأصولية، التي عادةً ما تبدأ وتنهي تحليلها السياسي على مستوى المجتمع.

وسّع آناكون وزملاؤه مقاربة الاقتصاد الديني للمساعدة في تفسير السلوك المؤسسي أيضًا. ولعل أحد أكثر الأسئلة المحيرة التي تواجه دراسة الدين في هذا المستوى من التحليل هو سبب نمو الأديان الصارمة بهذه السرعة. تفترض النظريات السابقة، بما فيها تفسيرات من داخل الأدبيات الأصولية، أن مرد ذلك إلى بعض الانزياحات النفسية أو الثقافية الجمعية. يجادل آناكون[63] بدلًا من ذلك في أن الأديان الصارمة [أو "عالية التكلفة"] قادرة على التغلب على مشكلات الانتهازية والانتفاع المجّاني بشكل أكثر فعالية من الديانات "منخفضة التكلفة". فبفرضها قواعد سلوك صارمة على أتباعها (مثل قواعد اللباس والقيود الغذائية)، تستطيع الجماعات الدينية ثني الانتهازيين والمنتفعين مجانًا عن الانضمام إلى المنظمة وإضعاف مواردها. علاوة على ذلك، ونظرًا إلى أن الأديان الصارمة تنزع إلى صرف المشاركين عن الإسهام في أنشطة خارج المنظمة الدينية، يمكن توجيه المزيد من وقت هؤلاء الأفراد ومواردهم المالية نحو هدف المجموعة الأعم. قد تفرض الأديان الصارمة على أعضائها تكلفة أعلى، إلا أنها في نهاية المطاف تقدم فوائد أكثر لكل عضو. لكن مع  نمو هذه الحركات الدينية، يصبح من الأصعب مراقبة السلوك الانتهازي والانتفاع المجاني ومعاقبة مرتكبيه، ما يؤدي إلى استنزاف الموارد التنظيمية وانخفاض معدلات النمو[64]. وهكذا تنزع المؤسسات القادرة على التعزيز المستمر لتشددها إلى أن تكون الأديان الأكثر فعالية وبقاءً في التاريخ. ومثل هذه النتائج مفيدة لنظريات الحركات السياسية والاجتماعية، وتشكل إضافة إلى الأدبيات المتنامية حول مشكلات العمل الجماعي[65].    

أخيرًا، قدمت مدرسة الاقتصاد الديني تفسيرات جديدة لحيوية (أو ضعف) الدين على مستوى المجتمع، ولعل لذلك الصلة الأوثق بعلم السياسة المقارن. تقول النظرية، اعتمادًا على الملاحظة بأن الخيارات الدينية تنزع إلى أن تكون تعددية في المجتمع، إنه لا توجد ملّة واحدة يمكنها أن تلبي بشكل مناسب كامل الطلب على السلع الدينية (إجابات عن أسئلة حول الخلاص، إلخ). لذلك تشهد المجتمعات التي تسمح بازدهار التعددية الدينية مستويات عالية من التدين، سواء من حيث المعتقد أو الممارسة[66]. تبدو الدول الإسلامية (حيث يتعايش الاحتكار الديني والحيوية الدينية جنبًا إلى جنب) استثناءً لهذه القاعدة، لكن البنية اللامركزية الفريدة للدين الإسلامي توفر الحوافز للحفاظ على الحماس الدعوي. في الإسلام، كل رجل دين (عالم) مسؤول عن دخله المادي عبر التبرعات التي يمكنه جمعها من أتباعه، ولا توجد سلطة عليا تقدم رواتب (باستثناء مؤسسات التعليم العالي). وهكذا، فإن الحفاظ على وضع مادي مريح يعني العمل بقوة على اجتذاب مؤمنين قادرين على الدفع، ما يعزز بالتالي الحيوية الدينية[67]. والملاحظ أن هيكلية الحوافز هذه تشبه مثيلاتها في العديد من الكنائس الخمسينية [العَنْصرانية] في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية.   

بالنظر إلى سهولة إنتاج السلع الدينية، ومن ثم انخفاض عوائق الدخول إلى عملية الإنتاج[68]، يبقى القرار الحكومي الوسيلة الوحيدة لإنفاذ احتكار ديني[69]. عمليًّا، ليست العلمنة نتاج ثقافة أو معركة أفكار بقدر ما هي إحدى وظائف التنظيم الحكومي للسوق الدينية. فالنشاط الديني يتضاءل حيث تؤدي القيود الحكومية على الدين إلى فرض تكاليف باهظة على المستهلكين والمنتجين. وقد أظهر ستارك وآناكون[70] أن أوروبا عالية العلمانية ليس بسبب ثقافتها التنويرية، بل لأن الدين عالي التنظيم في الاقتصادات الأوربية التي غالبًا ما تنحاز إلى ديانة أو ديانتين محددتين[71]. والحكومات التي خففت القيود التنظيمية للدين -أي رفعت مستوى الحرية الدينية- شهدت زيادات ملحوظة في المشاركة الدينية[72]، على عكس تنبؤات نظرية العلمنة[73]

قد يكون للتنظيم الحكومي تأثير كبير على المستوى العام للتدين في المجتمع، وإدراك ذلك يفتح الباب أمام عالم جديد من دراسات الكنيسة-الدولة. بدل رؤية الفصل بين الكنيسة والدولة على أنه عملية طبيعية للعلمنة والتحديث[74]، يجب على المرء إيلاء اهتمام دقيق بالتفاوضات السياسية المحيطة بمجموعة واسعة من القوانين التنظيمية المؤثرة في الدين[75]. فلوائح تقسيم المناطق، والمستويات الضريبية، والقيود على وسائل الإعلام، والإعانات الحكومية تفرض كلها تكاليف متفاوتة على الدعوية الدينية. وهذا يدعو بالتالي إلى قيام اقتصاد سياسي للدين يضمّن مصالح الفاعلين السياسيين في دراسة الأسواق الدينية. حتى الآن، لاحظت مدرسة الاقتصاد الديني أهمية التنظيم الحكومي في تحديد نتائج السوق الدينية، لكن الباحثين لم يفسروا بعد الاختلاف في مستويات التنظيم الديني عبر الدول. يحاول جيل[76] بناء مثل هذه النظرية، استنادًا إلى المفهوم الاقتصادي لتكلفة الفرصة البديلة، مع الأخذ بالاعتبار مصالح السياسيين في الحفاظ على السلطة. ويجادل بأن شكل التنظيم الديني في دولة ما هو دالّة على قوة المساومة النسبية للفاعلين الدينيين والسياسيين، لأن الحرية الدينية تتعزز في ظل ظروف يتزامن فيها تنامي التعددية الدينية الفعلية مع ازدياد المنافسة السياسية.

 

نظريات الدين والسياسة القائمة على المصالح

 بدأ علماء السياسة المقارنة في العقد الماضي إدراك فوائد دراسة الدين من منظور مؤسسي ومنظور قائم على المصالح. ونظرًا إلى أن الباحثين في هذا التقليد المتنامي يفضلون التركيز على أسئلة تاريخية محددة بدلًا من الظواهر العالمية الواسعة، تبقى الأجندة التجريبية لهذا البحث أقل تماسكًا من الدراسات العلمانية والأصولية. مع ذلك، تساعد الأساليب النظرية التي يستخدمونها في تقديم أهمية دمج التحليل على المستوى الجزئي في دراسة الدين والسياسات المقارنة.

كان كاليفاس[77] من أوائل المدافعين عن هذه المقاربة في السياسات المقارنة، وشرع في تفسير سبب ظهور الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا ضد رغبات الكنيسة الكاثوليكية وأحزاب المحافظين المناصرين لرجال الدين خلال القرن التاسع عشر. وتكمن الإجابة هنا في التداعيات غير المقصودة للسعي وراء مصالح مؤسسية قصيرة الأجل. ففي محاولة لمكافحة المحاولات الليبرالية لتقييد امتيازات الكنيسة، شجع الأساقفة في العديد من البلدان تطوير منظمات علمانية لتحشد الدعم الكاثوليكي. لكن بمجرد تشكيلها، بدأت هذه المنظمات تنافس الكنيسة نفسها على تمثيل الكاثوليك في الساحة السياسية. ولكي تفوز بمنصب سياسي، قللت هذه المنظمات أيضًا من "أهمية الدين في السياسة لجذب فئات أوسع من الناخبين وعقد تحالفات مع قوى سياسية أخرى"[78]، وهي تحديدًا النتيجة التي أراد قادة الكنيسة تجنبها. وسّع غولد[79] مؤخرًا تحليل كاليفاس لتفسير كيف استطاع السياسيون الليبراليون التغلب على المعارضة الدينية الشديدة لسياسات التحرر الاقتصادي والسياسي والديني. المفارقة أن هزيمة المعارضين الدينيين عنت استيعاب رجال دين (خاصة القساوسة البروتستانت) في هذه المنظمات من خلال تعزيز سلطتهم الدينية. وجد الليبراليون أيضًا أن من الحكمة استراتيجيًّا تحشيد قاعدة من الفلاحين حول قضايا دينية، ومن ثمّ توفير حاجز صد انتخابي ضد أي هجوم محتمل من قبل رجال الدين.

على منوال الدراستين الأخريين، تنظر وارنر[80] في العلاقة بين الكنيسة الكاثوليكية والأحزاب السياسية في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية. وعبر تقديمها الكنيسة أنموذجًا لجماعة مصالح تسعى لإعادة تأكيد مكانتها المؤسسية في المجتمع، تفسر كيف فرضت العلاقات مع الحكومات السابقة في زمن الحرب قيودًا على الاستراتيجيات السياسية للأساقفة الكاثوليك في فترة ما بعد الحرب. وبهذا تطبق وارنر منهج البحث الاقتصادي في دراسة الالتزامات الموثوقة وخصوصية الأصول، بهدف إظهار كيف أن القرارات المتعلقة بالتحالفات السياسية في وقت مبكر تقلل من القدرة على تبديل الحلفاء في المستقبل، تبعًا للتركيب المؤسسي للكنيسة وهيكلية الحزب السياسي. في إيطاليا، نأت الكنيسة بنفسها عن النظام الفاشي، وتمكنت من الالتزام بشراكة موثوقة مع الديمقراطيين المسيحيين. لكن بمجرد تشكيل هذا التحالف، كان من الصعب على الأساقفة التراجع عنه لاحقًا. وفي فرنسا، أدى ارتباط الكنيسة بحكومة فيشي إلى التقييد الشديد للخيارات السياسية المتاحة للأساقفة في الجمهورية الرابعة، فأصبحت [الكنيسة] مجرد حليف ضعيف للحركة الجمهورية الشعبية الفرنسية. لكن ذلك منح الأساقفة الفرنسيين تأثيرًا تفاوضيًّا أكبر والمساومة على قدرتهم في التهديد بسحب الأصوات، مع أن طبيعة الكنيسة الفرنسية عالية اللامركزية حدّت من هذا التهديد.

رغم أن كاليفاس وغولد ووارنر يدرسون قضايا مختلفة ويختارون حالات مختلفة، تعد هذه الدراسات الثلاث خطوة مهمة إلى الأمام في تفصيل كيفية تأثير المصالح المؤسسية الدينية في السياسة.  قبل ذلك، كانت معظم الأعمال المتعلقة بالدين والسياسة في أوروبا تتطرّق حصرًا للأدوار اللاهوتية والأخلاقية للفاعلين الدينيين.

يسهم [أنتوني] جيل[81] في هذا التحليل القائم على المصالح للدين في جزء مختلف من العالم، عبر تطوير نموذج اقتصادي للمعارضة الدينية في أمريكا اللاتينية. تساءل جيل عن سبب معارضة بعض الأسقفيات الكاثوليكية الوطنية للديكتاتوريين الاستبداديين في السبعينيات، بينما ظل بعضها الآخر محايدًا أو داعمًا، ووجد أن التأويلات الفكرية السابقة غير ملائمة. فتفسير المعارضة على أنها تحول في الخيارات الأسقفية لصالح الفقراء هو مجرد إعادة تعريف للسؤال، وليس تفسير سبب حدوث التحول في المقام الأول. جادل جيل بأن طبيعة السوق الدينية -سواء احتكارية أو تنافسية- كان لها تأثير كبير في تغيير استراتيجية الكنيسة الرعوية، وفي نهاية المطاف، استراتيجيتها السياسية. وفق الافتراض بأن الجماعات الدينية تحاول زيادة حصتها في السوق إلى الحد الأقصى، عمدت الكنائس الكاثوليكية الوطنية التي ضمنت موقعًا احتكاريًّا بموجب أوامر حكومية إلى الاحتفاظ بتحالفاتها مع ديكتاتوريين لا يحظون بشعبية. لكن عندما حقق المنافسون البروتستانت نجاحات بين الفقراء، اضطر الأساقفة إلى اتخاذ خيار تفضيلي لمصلحة الفقراء. والتزام الكنيسة الموثوق بالفقراء (بعد قرون من الإهمال) عنى المعارضة الصريحة للدكتاتوريين اليمينيين. وهكذا، على غرار الدراسات الثلاث حول أوروبا أعلاه، تعدّ هذه الدراسة المصالح المؤسسية عاملاً مهمًّا في تحديد سلوك الفاعلين الدينيين. 

لعل الحجة الأكثر ابتكارًا وإثارة للاهتمام في تبني مقاربة مؤسسية جديدة للدين تأتي من مجموعة باحثين اقتصاديين خمسة. في سلسلة مقالات جمعت في كتاب واحد[82]، حلل هؤلاء العلماء سلوك الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى كما لو كانت شركة اقتصادية. وعملهم بلا شك واسع النطاق، إذ تناولوا مواضيع مثل كيف نظمت الكنيسة نفسها للحفاظ على حصتها في السوق الدينية وكيف جمعت الإيرادات في بيئة كانت المراقبة وإمكانات الإنفاذ فيها ضعيفة. درسوا أيضًا موقف الكنيسة العقدي من الربا لإظهار آلية وضع الكنيسة "أسعارًا اعتبارية" للقروض من أجل زيادة ريعها. كما نظروا إلى السرية وراء الاعترافات وبيع صكوك الغفران بوصفها طريقة لفرض ضرائب ذات "مرونة سعرية" متفاوتة على السكان لقاء الخلاص، فحددت الكنيسة مبالغ أكبر على مَنْ يخافون الجحيم مقارنة بمَنْ لديهم مخاوف أقل أهمية. لو انكشف غطاء السرية المحيط بأسعار صكوك الغفران آنذاك، لكان أصحاب الطلب "عالي انعدام المرونة السعرية" عرضوا سعرًا أقل ثمنًا للخلاص. ولعل أكثر ادعاءات هؤلاء العلماء إثارة للاهتمام تتعارض مع أطروحة فيبر الشهيرة حول "الأخلاقية البروتستانتية"، فقد عززت الكنيسة [الكاثوليكية] التنمية الاقتصادية الأوروبية فعليًّا ولم تُعِقها. ثم إن رغبة الكنيسة بتدعيم قوتها الاحتكارية واستخراج الإيرادات بكفاءة عنت أنها أنشأت البنية التحتية المالية والحكومية الأساس اللازمة لإشعار المستثمرين بالأمان. إن هذا العمل الرائع يجب أن يكون قراءة إلزامية لأي عالم سياسي مهتم بمسألة تشكل الدولة.

توفر مدرسة الاقتصاد الديني تصحيحًا مهمًّا لنماذج السلوك الديني التي تعتمد حصرًا على المتغيرات الفكرية.  هذا لا يعني أن الأفكار غير مهمة، لكن غالبًا ما تتفوق الاهتمامات المؤسسية على التشريعات اللاهوتية في العديد من المواقف السياسية. كما إن بدء التحليل على المستوى الفردي يساعد في توفير جرعة ضرورية من تحليل المستوى الجزئي في حقل استقصائي يهيمن عليه التنظير الميتافيزيقي. مع ذلك، تتجاهل المدرسة الاقتصادية أهمية الكيفية التي يمكن فيها للثقافة أن تؤثر في أفضليات الفاعلين وخياراتهم. ويبقى بناء نظريات تدمج المصالح بالأفكار الجبهة التالية في دراسة الدين والسياسة. 

خاتمة 

 توضح الأحداث العالمية باطراد أن الدين سيظل لاعبًا رئيسًا في ميدان السياسة. والدراسة الجادة للدين والسياسة جديدة نسبيًّا؛ لأن التفكير السائد في علم الاجتماع والعلوم السياسية اعتبر الدين لأمد بعيد عرضيًّا وعلى نحو متزايد غير ذي صلة بالحياة الاجتماعية. وكما هو الحال في اكتشاف معظم الاتجاهات العالمية الرئيسة (مثل العولمة الاقتصادية والدمقرطة)، اعتمدت المراحل الأولية من البحث في دور الدين والسياسة على مفاهيم غير محددة وعلى التنظير الواسع.  كان هذا نموذجيًّا للأدبيات المتعلقة بالأصولية، لكن مع نضوج أجندة العمل البحثي أصبحت القاعدة إيلاء حساسية أكبر للصرامة المنهجية. يطور العلماء الآن أسس تحليل المستوى الجزئي التي ستجعل من الممكن اختبار مجموعة متنوعة من الفرضيات المتعلقة بالسلوك السياسي-الديني تجريبيًّا. وبالنظر إلى السمات التنظيمية الفريدة للحركات الدينية والدور المركزي الذي يلعبه علم اللاهوت، يبشر استقصاء هذا الموضوع بتقديم فوائد كبيرة للعلوم السياسية.

 

ملاحظات

[1]- لا تتوفر أرقام صفحات لهذا الكتاب، كون البيانات مدرجة في جداول.  للمراجع، انظر الجداول V143 وV151 وV166.  تأتي البيانات من مسوحات وطنية أجريت بين عامي 1990 و1993، وتثير هذه الأرقام الإعجاب إلى حد أبعد لأنها تشمل الدول الشيوعية (أو الشيوعية سابقًا) حيث كانت الممارسات الدينية مقيدة بشدة إن لم تكن غير قانونية كلية.

[2]- للإنصاف، تخلى بيرجر  عن موقفه منذ ذلك الحين، على الرغم من أن عمله السابق يمثل إحدى السمات المميزة لنظرية العلمنة. انظر:

Berger PL. 1997. “Epistemological Modesty: An Interview with Peter Berger.” Christ. Century 114: 972-75, 978.

[3]- يمكن أيضًا اعتبار ناشطي الحقوق المدنية المتأسسين دينيًّا في الستينيات جزءًا من السياسة الدينية الجديدة، نظرًا إلى ناشطيتهم ضد الوضع القائم. لكن معظم دراسات "السياسة الدينية الجديدة" تتجاهل هذه الحركة لكون أهدافها إلى حد كبير علمانية.

[4]- هذا لا ينطبق على مذاهب تقيد العضوية على أساس الإثنية أو الخصائص الأخرى التي من شأنها منع التحول الديني إلى المجموعة.

[5]- يُحسب لكل من سميث ومينورنغ تقديم نماذج فكرية دقيقة تتضمن دور المؤسسات وعوامل اجتماعية واقتصادية أخرى بطريقة حاذقة.

[6]- في الواقع، يمكن اقتفاء أثر استخدام علم الاقتصاد لدراسة الدين إلى آدم سميث. لكن معظم النسخ المختصرة من كتابه الطويل ثروة الأمم تستبعد رؤاه المتبصرة والعميقة حول الدين.

 

[1]   طالب شؤون دولية، جامعة قطر.

[2]Inglehart R, Basanez M, Moreno A. 1998. Human Values and Beliefs: A Cross-Cultural Sourcebook. Ann Arbor: Univ. Mich. Press.

[3]Finke R, Stark R. 1992. The Churching of America: Winners and Losers in Our Religious Economy. New Brunswick, NJ: Rutgers Univ. Press ,1999.

[4]Greeley, A. 1994. A Religious Revival in Russia? Journal for the Scientific Study of Religion, 33 (4), 253-272.

[5]Stark R, Bainbridge WS. 1985. The Future of Religion. Berkeley: Univ. Calif. Press; Smith C, ed. 1996. Disruptive Religion: The Force of Faith in Social Movement Activism. New York: Routledge.

[6]Ekelund RB, Hebert RF, Tollison RD, Anderson GM, Davidson AB. 1996. Sacred Trust: The Medieval Church as an Economic Firm. Oxford, UK: Oxford Univ. Press.

[7]Warner RS. 1993. Work in Progress toward a New Paradigm for the Sociological Study of Religion in the United States. American Journal of Sociology. 98(5):1044–93.

[8] قارن:

Stark R, Bainbridge WS. 1985. Op. cit.

 

[9]Warner RS. 1993. Op. Cit.

[10]          Hamilton MB. 1995. The Sociology of Religion: Theoretical and Comparative Perspectives. London: Routledge: pp. 1-21

[11]Smith C, ed. 1996. Op. Cit., p. 5.

 

[12]Lechner FJ. 1991. “The Case against Secularization: A Rebuttal.” Social Forces 69 (4): 1103-19.

[13]Berger PL. 1967. The Sacred Canopy. New York: Anchor.

[14]قارن:

Inglehart R. 1990. Culture Shift in Advanced Industrial Society. Princeton, NJ: Princeton Univ. Press.

[15]Wallace AFC. 1966. Religion: An Anthropological View. New York: Random House: p. 261.

[16]انظر:

Martin D. 1965. The Religious and the Secular. London: Routledge.

[17]Hadden JK. 1987. “Toward Desacralizing Secularization Theory.” Soc. Forces 65(3): 587– 611; Greeley A. 1989. Religious Change in America. Cambridge, MA: Harvard Univ. Press; Stark R, Iannaccone LR. 1994. “A Supply- side Reinterpretation of theSecularizationof Europe.” J. Sci. Stud. Relig 33(3): 230– 52.

[18]Iannaccone LR, Stark R. 1997. Why the Jehovahs Witnesses Grow so Rapidly: a Theoretical Application. Journal of Contemporary Religion 12(2): 133– 57; Stark R. 1996. The Rise of Christianity: A Sociologist Reconsiders History. Princeton, NJ: Princeton Univ. Press

[19]Greeley A. 1994. Op. cit

[20]Duffy E. 1987. “The late Middle Ages: Vitality or Decline?” In Atlas of the Christian Church, ed. M Douglas SM. Tipton, New York: Facts on File, pp. 86–95; Brooke R, Brooke C. 1984. Popular Religion in the Middle Ages. London: Thames & Hudson.

[21]Finkle and Stark. Op. Cit.

[22]Poblete R. 1965. Crisis Sacerdotal. Santiago, Chile: Pacıfico.

[23]Finkle and Stark. Op. Cit.

[24] قارن:

 Juergensmeyer M. 1995. “The New Religious State.” Comp. Polit. 27 (4): 379-91.

[25]انظر: (“The Fundamentalism Project”).

Marty ME, Appleby RS. 1991. Fundamentalisms Observed. Chicago: Univ. Chicago Press.

[26]Marty ME, Appleby RS. 1993. Fundamentalisms and the State. Chicago: Univ. Chicago Press.

[27]Marty ME, Appleby RS. 1991. Cit., p. ix.

[28]Keddie NR. 1998. ”The New Religious Politics: Where, When, and Why DoFundamentalismsAppear?” Comp. Stud. Soc. Hist. 40 (4): 696–723. 

[29]Marty and Appleby. 1991. Cit., pp. 22-2.

[30]Keddie. Op. Cit.

[31]Berger PL. 1999. The Desecularization of the World: Resurgent Religion and World Politics. Grand Rapids, MI: Eerdmans, p. 11.

[32]Davis W. 1991. “Fundamentalism in Japan: Religious and Political.” See Marty & Appleby 1991, cit., pp. 782–813.

[يحيل النص المقتبس في عبارته الأخيرة إلى استهلال الإنجيل: "في البدء خلق الله السماوات والأرض"] (م).

[33]Martin D. 1990. Tongues of Fire: The Explosion of Protestantism in Latin America. Cambridge, UK: Blackwell; Beyer P. 1994. Religion and Globalization. London: Sage; Haynes J. 1998. Religion in Global Politics. London: Longman; Keddie. Op. Cit.

[34]Tibi B. 1998. The Challenge of Fundamentalism: Political Islam and the New World Disorder. Berkeley: Univ. Calif. Press, p. 24

[35]Juergensmeyer M. 1995. Cit., pp. 379–91; Juergensmeyer M. 1996. “The Worldwide Rise of Religious Nationalism.” J. Int. Aff. 50(1):1– 20.

[36]Keddie. Op. Cit.

[37]Ibid., 723.

[38]Ibid., 702.

[39]Huntington SP. 1996. The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. New York: Simon & Schuster.

[40]Juergensmeyer M. 1995. Op. cit.

[41]Tibi B. 1998. Op. cit., pp. 25-26.

[42]Juergensmeyer M. 2000. Terror in the Mind of God: The Global Rise of Religious Violence. Berkeley: Univ. Calif. Press

[43]Kepel G. 1994. The Revenge of God: The Resurgence of Islam, Christianity and Judaism in the Modern World. Trans. Alan Braley. University Park: Penn. St. Univ. Press (From German).

[44]Sprinzak E. 1993. “Three Models of Religious Violence: The Case of Jewish Fundamentalism in Israel.” See Marty & Appleby 1993, cit., pp.484.

[45]Stark R, Bainbridge WS. 1985. Op. cit., pp. 506-530; Cohn N. 1961. The Pursuit of the Millennium. New York: Harper & Row.

[46]Lawrence BB. 1998. Shattering the Myth: Islam Beyond Violence. Princeton, NJ: Princeton Univ. Press.

[47]Robinson GE. 1997. Can Islamists be Democrats? The Case of Jordan. Middle East J. 51(3):373–87.

[48]Esposito JL, Voll JO. 1996. Islam and Democracy. Oxford, UK: Oxford Univ. Press.

[49]NASR SVR.1995. “Democracy and Islamic Revivalism.” Polit. Sci. Q. 110(2):261–8. 

[50]Gerges FA. 1999. America and Political Islam: Clash of Cultures or Clash of Interests? Cambridge, UK: Cambridge Univ. Press.

صدر بالعربية عن دار النهار: فواز جرجس، أميركا والإسلام السياسي: صراع الحضارات أم صراع المصالح، 1998 (م).

[51]Laitin DD. 1986. Hegemony and Culture: Politics and Religious Change among the Yoruba. Chicago: Univ. Chicago Press.

[52]Kalyvas SN. 2000. “Commitment Problems in Emerging Democracies: The Case of Religious Parties.” Comp. Polit. In press.

[53]Mainwaring S. 1986. The Catholic Church and Politics in Brazil, 1916–1985. Stanford, CA: Stanford Univ. Press, p. 7.

[54]Sigmund PE. 1990. Liberation Theology at the Crossroads: Democracy of Revolution? New York: Oxford Univ. Press; Shepherd FM. 1995. “Church and State in Honduras and Nicaragua Prior to 1979.” In Religion and Democracy in Latin America, ed. W. H. Swatos, Jr, pp. 117–34. New Brunswick, NJ: Transaction.

[55]Smith C. 1991. The Emergence of Liberation Theology: Radical Religion and Social Movement Theory. Chicago: Univ. Chicago Press.

[56]Martin D. 1990. Tongues of Fire: The Explosion of Protestantism in Latin America. Cam- bridge, UK: Blackwell; Stoll D. 1990. Is Latin America Turning Protestant? Berkeley: Univ. Calif. Press.

[57] قارن:

Sexton JD. 1978. “Protestantism and Modernization in two Guatemalan Towns.” Am. Ethnol. 5(2):280–302.

[58] انظر:

Warner RS. 1993. Op. Cit.

[59]Stark, R. 2000. “Religions Effects: In Praise of theIdealistic Humbug.” Rev. Relig. Res. 41(3):289–310.

[60]Iannaccone LR. 1990. “Religious Participation: A Human Capital Approach.” J. Sci. Stud. Relig. 29(3):297–314.

[61]Becker GS. 1964. Human Capital: A Theoretical and Empirical Analysis with Special Reference to Education. Chicago: Univ. Chicago Press.

[62] انظر أيضًا:

Stark R. 1992. “Do Catholic Societies Really Exist?” Ration. Soc. 4(2):261–71.

[63]Iannaccone LR. 1992. “Sacrifice and Stigma: Reducing Freeriding in Cults, Communes, and other Collectives.” J. Polit. Econ. 100(2):271– 91; Iannaccone LR. 1994. “Why Strict Churches are Strong.” Am. J. Soc. 99(5):1180–211.

[64] انظر أيضًا:

Stark R, Bainbridge WS. 1985. Op. Cit.; Finke R., Stark R. 1992. The Churching of America: Winners and Losers in Our Religious Economy. New Brunswick, NJ: Rutgers Univ. Press.

[65] قارن:

Lichbach MI. 1995. The Rebel’s Dilemma. Ann Arbor: Univ. Mich. Press.

[66]Iannaccone LR. 1991. “The Consequences of Religious Market Structure: Adam Smith and the Economics of Religion.” Ration. Soc. 3(2):156–77.

[67]  قد يصدق هذا على علماء الشيعة ودور الخمس في المدرسة الشيعية، لكن فيما يتعلق بالمذهب السني فليس الكلام أعلاه دقيقًا (م).

[68]Gill A. 1999a. “The Economics of Evangelization.” In Evangelization and Religious Freedom in Latin America, ed. PE Sigmund, pp. 70–84. Maryknoll, NY: Orbis.

[69]Stark R. 1992. Op. Cit.

[70]Stark and Iannaccone. 1994. Op. Cit.

[71]  انظر أيضًا:

Chaves M, Cann DE. 1992. “Regulation, Pluralism and Religious Market Structure: Explaining Religion’s Vitality.” Ration. Soc. 4(3): 272– 90; Monsma SV, Soper JC. 1997. The Challenge of Pluralism: Church and State in Five Democracies. Lanham, MD: Rowman & Littlefield.

[72]Finke R. 1990. “Religious Deregulation: Origins and Consequences.” J. Church State 32(3):609–26; Finke and Iannaccone.1993. Op. Cit.; Gill A. 2000a. “Government Regulation, Social Anomie and Protestant Growth in Latin America: A Cross-national Analysis.” Ration. Soc. 11(3):287–316.

[73]Berger PL. 1967. Cit.

[74]Casanova J. 1994. Public Religions in the Modern World. Chicago: Univ. Chicago Press, p. 40; Helmstadter R. 1997. Freedom and Religion in the Nineteenth Century. Stanford, CA: Stanford Univ. Press.

[75]Gill A. 1999b. “The Politics of Regulating Religion in Mexico: The 1992 Constitutional Reforms in Historical Context.” J. Church State 41(4):761–98; Gill A. 2000b. “The Political Origins of Religious Liberty: Initial Sketch of a General Theory.” Presented at Annu. Meet. Am. Pol. Sci. Assoc., 96th, Washington DC.

[76]Gill A. 2000b. Op. Cit.

[77]Kalyvas SN. 1996. The Rise of Christian Democracy in Europe. Cornell, NY: Cornell Univ. Press.

[78]Ibid., pp.18.

[79]Gould AC. 1999. Origins of Liberal Dominance: State, Church and Party in Nineteenth Century Europe. Ann Arbor: Univ. Mich. Press.

[80]Warner CM. 2000. Confessions of an Interest Group: The Catholic Church and Political Parties in Europe. Princeton, NJ: Princeton Univ. Press.

[81]Gill A. 1998. Rendering unto Caesar: The Catholic Church and the State in Latin America. Chicago: Univ. Chicago Press.

[82]Ekelund et al. Cit.

السعر الاعتباري أو سعر الظل (shadow price) هو القيمة النقدية المحددة لسلعة غير ملموسة ولا يمكن تحديد كلفتها في ظل عدم توفر سعر سوقي صحيح. والمرونة السعرية للطلب (price elasticity of demand) هي نسبة التغيير في الكمية المطلوبة من سلعة مقابل تغير سعرها بنسبة 1%. يكون الطلب مرنًا إذا كان حاصل قسمة العرض على السعر 1 أو أكثر، وغير مرن دون ذلك (م).

 

شارك :

التعليقات (0)

أضف تعليق