مواجهة إيران - استراتيجية إدارة ترمب

طباعة 2019-02-26
مواجهة إيران - استراتيجية إدارة ترمب

مايكل ر. بومبيو

وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية


فرضت نهاية الحرب الباردة فكراً جديداً على صانعي السياسات والمحللين حول أكبر التحديات التي تواجه الأمن القومي للولايات المتحدة. لقد أكّد ظهور كل من القاعدة، ومجرمي الفضاء الإلكتروني[1]، وغيرهما من الكيانات الخطرة، التهديد الذي تشكله الجهات الفاعلة خارج منظومة الدولة. ولا يقل تحدياً عما سبق عودة ظهور الأنظمة الخارجة عن القانون – أي تلك الدول المارقة، التي تتحدى الأعراف الدولية، ولا تحترم حقوق الإنسان والحريات الأساسية، والتي تعمل ضد أمن الشعب الأمريكي وحلفاء الولايات المتحدة وشركاءها وباقي دول العالم.

تتبوأ كل من كوريا الشمالية وإيران قائمة تلك الأنظمة الخارجة عن القانون، وتتعدد انتهاكاتهما للسلم الدولي، ولكن أسوأ ما يسم كلا الدولتين، سعيهما الحثيث طوال عقود للحصول على برامج الأسلحة النووية في خرق للحظر الدولي. وعلى الرغم من أفضل الجهود الدبلوماسية التي بذلتها واشنطن، خدعت بيونغ يانغ السياسيين الأمريكيين، منذ أيام إدارة جورج دبليو بوش، عبر سلسلة من اتفاقيات الحد من التسلح المنتهكة. تابعت كوريا الشمالية برامجها في تطوير السلاح النووي والصواريخ الباليستية بسرعة إلى حد أن الرئيس باراك أوباما أخبر   دونالد ترمب بعد انتخابه أن كوريا الشمالية ستكون أكبر تحديات الأمن القومي التي سيواجهها. وبالمثل، فشلت اتفاقية خطة العمل الشاملة المشتركة التي عقدتها إدارة أوباما مع إيران في العام 2015 في وضع حد لطموحات إيران النووية. وفي الواقع، ولأن إيران عرفت أن أولوية إدارة أوباما هي في الحفاظ على الاتفاقية قبل أي شيء آخر، فقد منحت تلك الاتفاقية النظام الإيراني إحساساً بالحصانة، مفسحةً المجال أمامه ليصعّد من دعمه للنشاطات الخبيثة. كما منحت الاتفاقية طهران كماً هائلاً من الأموال التي استخدمها المرشد الأعلى في دعمه لكافة أنواع الإرهاب عبر الشرق الأوسط (مع القليل من العواقب في الرد على ذلك) والتي ساهمت في ضخ الروح في اقتصاد نظامٍ ما يزال عازماً على تصدير ثورته خارج إيران وفرضها في الداخل.

وفيما فاقم تصاعد التهديدات من كوريا الشمالية وإيران في مرحلة ما بعد حرب العراق من تعقيد السؤال حول الطريقة المثلى للتصدي لها، يشكك الشعب الأمريكي بحق في كلفة الالتزام العسكري طويل الأمد بدعوى الحماية من أسلحة التدمير الشامل. ومع استمرار كون الصعوبات في العراق حيةً في الأذهان، وإثبات الاتفاقيات السابقة التي عقدت مع كوريا الشمالية وإيران للحد من تهديداتهما عدم جدواها، فإن وقف أذى تلك الأنظمة المتمردة يتطلب نماذج دبلوماسية جديدة.

يأتي هنا دور الرئيس ترمب. على الرغم من كل الانتقادات الغاضبة التي تلاقيها سياسته الخارجية من قبل المؤسسة الحاكمة في واشنطن، تقوم دبلوماسيته على أساس المقاربة المتعمّدة[2] التي تمنح الولايات المتحدة الأفضلية في مواجهتها للأنظمة الخارجة عن القانون.

مبدأ ترمب

لطالما كان الرئيس ترمب واضحاً، إن كان خلال حملته الانتخابية أم بعد توليه منصبه، حول الحاجة لقيادة أمريكية جسورة تقدم أولوية مصالح أمن الولايات المتحدة. ينقض مبدأ المنطق السليم هذا الموقف الذي فضلته إدارة أوباما في "القيادة من الخلف" والذي شكل استراتيجية تساومية بثّت إشارات خاطئة فُهم منها تراجع نفوذ وقوة الولايات المتحدة. جعلت القيادة من الخلف من كوريا الشمالية تهديداً أكبر مما كانت عليه في الماضي. وفي أفضل حالاتها، أخرت القيادة من الخلف سعي إيران لتصبح قوة نووية فيما سمحت لتأثير الجمهورية الإسلامية الخبيث وتهديداتها الإرهابية بالنمو.

أما اليوم، فقد أنذرت الولايات المتحدة كلاً من كوريا الشمالية وإيران بأنها لن تسمح لأنشطتهم المزعزعة للاستقرار بالمضي من غير رقابة. حملة الضغط الدولية العنيفة التي قادتها الولايات المتحدة ضد كوريا الشمالية، إلى جانب تصريحات الرئيس الواضحة والقاطعة التي تؤكد أن الولايات المتحدة ستدافع عن مصالحها الحيوية بالقوة إذا ما اقتضى الأمر، هيأت جميعها الشروط اللازمة للمحادثات التي توجت بلقاء القمة بين الرئيس ترمب والزعيم كيم جونغ أون في سنغافورة في حزيران/يونيو الماضي. وفي تلك القمة، التزم الزعيم كيم نزع السلاح النووي في كوريا الشمالية بشكل نهائي ومحقق بالكامل. قدمت كوريا الشمالية في الماضي التزامات مشابهة، ولكن على العكس من تلك الالتزامات، كانت هذه المرة الأولى التي تقدم فيه التزاماً شخصياً على مستوى القمة حول نزع السلاح النووي. يمكن لذلك الالتزام أن يؤشر على نقلة استراتيجية كبرى يقوم بها الزعيم كيم أو لا، وما يزال لدينا الكثير من العمل كي نسبر نواياه ونتأكد من تنفيذ التزامه. ولكن مقاربة الرئيس ترمب خلقت فرصة حلٍ سلمي لمسألة حيوية لأمننا القومي لطالما أثقلت كاهل صانعي السياسات. وسنتابع، أنا والرئيس وممثلنا الخاص لكوريا الشمالية (ستيفن بيغون)، العمل ببصيرة منفتحة من أجل انتهاز هذه الفرصة.

وبالمثل، تشن إدارة ترمب حملة "ضغوط عظمى" على إيران صمّمت من أجل خنق كل الإيرادات[3] التي يستخدمها النظام – وعلى الأخص الحرس الثوري الإسلامي الذي يشكل جزءاً من الجيش الإيراني ويخضع مباشرة للمرشد الأعلى – من أجل تمويل العنف من خلال حزب الله في لبنان، وحماس في الأراضي الفلسطينية، ونظام الأسد في سوريا، والثوار الحوثيين في اليمن، والميليشيات الشيعية في العراق، بالإضافة إلى عملاءه المتخفين حول العالم.

غير أن أنّ الرئيس ترمب لا يرغب بانخراط عسكري أمريكي آخر طويل الأمد في الشرق الأوسط أو في أي منطقة أخرى من العالم بأية حال. وهو قد صرح حول العواقب المريعة لاجتياح العراق عام 2003 والتدخل العسكري في ليبيا عام 2011. يمكن للنقاد إثارة الخوف من فكرة أن هذه الإدارة تسير بالولايات المتحدة على طريق الحرب، ولكنه من الواضح أن للشعب الأمريكي رئيساً غير متلهف لاستخدام القوة العسكرية، فيما هو في الآن ذاته لا يهاب استخدامها (فقط اسألوا تنظيم الدولة الإسلامية وطالبان ونظام الأسد). ستبقى القوة العسكرية الكاسحة على الدوام المصدّ الذي يحمي الشعب الأمريكي ولكنها لا يجب أن تكون خيارنا الأول.

هنالك جانبٌ هامٌ آخر في دبلوماسية الرئيس يكمن في استعداده للحوار مع ألد أعداء الولايات المتحدة. فكما قال في تموز/يوليو[4]: "الدبلوماسية والانخراط أفضل من الصراع والعداوة" ولنأخذ عبرةً هنا من مقاربته لمسألة كوريا الشمالية: لقد بددت دبلوماسيته مع الزعيم كيم التوتر الذي كان يتصاعد يومياً.

يتكامل استعداد الرئيس للخوض في الحوار مع إعراضه الغريزي عن عقد الاتفاقيات السيئة. ويستبعد فهمه لأهمية امتلاك اليد العليا في أي مفاوضات إمكانية عقد اتفاقيات ذات نتائج عكسية بالغة كما هي الحال في خطة العمل الشاملة المشتركة [مع إيران]. هو مستعدٌ لعقد الاتفاقيات مع مناوئي الولايات المتحدة، ولكنه أيضاً مرتاحٌ للانسحاب من أي مفاوضات لا تفضي إلى تحسين مصالح الولايات المتحدة. يتناقض هذا تماماً مع مقاربة إدارة أوباما لخطة العمل الشاملة المشتركة[5]، حيث أصبحت الاتفاقية هدفاً بحد ذاتها تسعى الإدارة لتحقيقه مهما كلف الأمر.

عند تفكيرنا باتفاقية مستقبلية مع كوريا الشمالية بحيث تكون أفضل من خطة العمل الشاملة المشتركة، وصفنا هدفنا بـ"نزع نهائي ومحقق بالكامل للسلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية كما وافق الزعيم كيم جونغ أون"[6]. تعني كلمة "نهائي" هنا انتفاء أي إمكانية لكوريا الشمالية لتعيد إطلاق برامجها لتطوير أسلحة الدمار الشامل والصواريخ الباليستية، وهو ما غفلت عنه خطة العمل الشاملة المشتركة مع إيران. وتعني عبارة "محقق بالكامل" وجود معايير تحقق أقوى من تلك التي تفرضها خطة العمل الشاملة المشتركة والتي من ضمن مناحي ضعفها العديدة أنها لم تفرض إجراء تفتيش للمنشآت العسكرية الرئيسة في إيران. ما تزال المعالم الدقيقة لاتفاقية كوريا الشمالية قيد التفاوض، ولكننا لن نساوم على مركزية عبارتي "نهائي" و"محقق بالكامل."

التهديد الإيراني

إن التزام الرئيس ترمب بأمن الشعب الأمريكي، إلى جانب إعراضه عن الاستخدام غير الضروري للقوة العسكرية، واستعداده للتفاوض مع الأعداء، وضع إطار عمل جديد لمواجهة الأنظمة الخارجة عن القانون. واليوم، ليس هنالك أي نظام أكثر خروجاً عن القانون من النظام الإيراني، وهذا ما جرت عليه العادة منذ عام 1979، عندما استولى فريقٌ صغيرٌ نسبياً من الثوار الإسلاميين على السلطة في إيران. ومنذ ذلك الحين، حفزت ذهنية النظام الثورية جميع أفعاله، وفي الواقع، وبعد إنشاء النظام بفترة قصيرة، أنشأ الحرس الثوري فيلق القدس، وهو وحدة نخبة في قوات الحرس الخاصة، وكلّفه تصدير الثورة إلى الخارج. ومنذ ذلك الحين، سخّر قادة النظام كافة مسؤولياتهم المحلية والدولية، بما في ذلك واجباتهم تجاه الشعب الإيراني[7]، لتحقيق الثورة.

وبالنتيجة، زرع النظام خلال العقود الأربعة الأخيرة كماً هائلاً من الدمار والقلاقل في سلوكٍ سيء لم ينتهِ مع خطة العمل الشاملة المشتركة. لم تمنع الاتفاقية نهائياً إيران من سعيها لتطوير السلاح النووي، وبالفعل، يشير تصريح كبير مسؤولي برنامج إيران النووي في نيسان/أبريل عن قدرة إيران على إعادة إطلاق برنامجها النووي خلال أيام إلى أن الاتفاقية لم تؤخر ذلك البرنامج كثيراً على الإطلاق. كما لم توقف الاتفاقية نشاط إيران العنيف والمزعزع للاستقرار في أفغانستان والعراق ولبنان وسوريا[8] واليمن وغزة. ما تزال إيران تزود الحوثيين بالصواريخ التي يطلقونها على المملكة العربية السعودية، وهي أيضاً تدعم الهجمات التي تقوم بها حماس ضد إسرائيل، وتجند الشباب الأغرار من أفغان وعراقيين وباكستانيين من أجل القتال والموت في سوريا. يكسب المقاتل اللبناني من حزب الله بفضل الإعانات الإيرانية ما معدله ضعفي أو ثلاثة أضعاف الدخل الشهري لإطفائي في طهران.

انسحب الرئيس ترمب في أيار/مايو 2018 من الاتفاقية النووية بسبب فشلها الواضح في حماية مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة وحلفائها وشركائها[9]، كما فشلت في جعل إيران تتصرف كدولة طبيعية. وفي تموز/يوليو ألقي القبض على دبلوماسي إيراني في فيينا بسبب تأمينه متفجرات لإرهابيين كانوا يخططون لتفجير تجمع سياسي في فرنسا[10]. من الملفت أنه فيما تسعى القيادة الإيرانية إلى إقناع أوروبا البقاء في الاتفاقية النووية، فإنها تخطط في الوقت ذاته لهجمات إرهابية في قلب القارة. وبالعموم، جعلت أفعال إيران منها دولة مارقة متسببة في بؤس شعبها.

حملة الضغط

بدلاً من الاتفاقية النووية شرع الرئيس ترمب في حملة ضغط متعددة الجبهات تعدّ العقوبات الاقتصادية أول عناصرها. يدرك الرئيس قوة العقوبات في التضييق على النظام طالما كانت كلفة الفرصة البديلة منخفضة للولايات المتحدة. في عهد إدارة ترمب فرضت الولايات المتحدة 17 دفعة من العقوبات المتعلقة بإيران مستهدفة 147 فرداً أو كياناً مرتبطاً بإيران.

تهدف هذه العقوبات الشرسة إلى إجبار النظام الإيراني على اتخاذ الخيار: إما التوقف عن سياساته التي استدعت الإجراءات بدايةً، أو الاستمرار بها. لقد كان لقرار إيران الاستمرار بنشاطها الهدّام عواقب اقتصادية خطيرة بالفعل، والتي تفاقمت بسبب سوء إدارة المسؤولين الإيرانيين البالغ بفعل انصرافهم إلى تحقيق مصالحهم الخاصة. إن التدخل المكثف للحرس الثوري في الاقتصاد تحت ستار الخصخصة يحوّل القيام بالأعمال التجارية في إيران إلى صفقةٍ خاسرة، ولا يعرف المستثمرون الأجانب حقيقةً إن كانوا يسهلون التجارة أم الإرهاب. وبدلاً من استخدام الثروة التي ولّدتها خطة العمل الشاملة المشتركة من أجل إنعاش الرفاه المادي للشعب الإيراني، فإن النظام يستهلكها بشكل طفيلي، ويدفع المليارات على شكل إعانات للدكتاتوريين والإرهابيين والميليشيات المارقة. من الممكن لنا فهم إحباط الشعب الإيراني. لقد انهارت قيمة الريال خلال العام الماضي، فيما تشمل البطالة ثلث الشباب الإيراني، ويتسبب التأخر في دفع الأجور في إضرابات عنيفة، ويعد نقص إمدادات المياه والوقود أمراً شائعاً.

هذا التوعك مشكلة من صنع النظام. تماثل النخبة الإيرانية المافيا في سلبها الأموال وفسادها. منذ عامين، تفجر الغضب عن حق في صفوف الإيرانيين عندما أظهرت إيصالات دفع مسربة أموالاً طائلة تتدفق من دون أي مبرر إلى الحسابات المصرفية العائدة لكبار المسؤولين الحكوميين. ولسنواتٍ طوال، تلفح رجال الدين والمسؤولون بمسوح الدين فيما كانوا يسرقون الإيرانيين بلا رحمة. ينشد المحتجون اليوم في وجه النظام قائلين: "أنتم سرقتمونا باسم الدين." وبحسب جريدة "كيهان" التي تصدر من لندن، تصل ثروة آية الله صادق لاريجاني رئيس الهيئة القضائية في إيران، الذي وضعته الولايات المتحدة على قائمة العقوبات هذا العام لانتهاكات حقوق الإنسان، إلى مبلغ 300 مليون دولار أمريكي على الأقل جراء اختلاسه أموالاً عامة. وتبلغ ثروة آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي إلى بضعة ملايين الدولارات وهو المعروف بلقب "سلطان السكر" بسبب ضغطه على الحكومة الإيرانية كي تخفض الإعانات الحكومية لمنتجي السكر المحليين فيما هو يغرق الأسواق بالسكر المستورد الأغلى ثمناً. تتسبب أفعالٌ كهذه بخسارة الكثير من الإيرانيين العاديين لعملهم. أما آية الله محمد إمامي كاشاني، أحد أئمة صلاة الجمعة في طهران طوال الثلاثين عاماً المنصرمة، فقد جعل الحكومة تحول ملكية العديد من المناجم الغنية إلى مؤسسته الخاصة وتقدر ثروته بالملايين أيضاً. يصل الفساد إلى أعلى المستويات. فالمرشد الأعلى للثورة آية الله علي خامنئي يملك صندوق تحوطٍ استثماري خفي خاصٍ به يدعى "ستاد" وتصل قيمته إلى 95 مليار دولار أمريكي. غالباً ما تكتسب هذه الثروة، غير الخاضعة للضريبة وغير المشروعة، عن طريق استملاك أصول الأقليات السياسية والدينية، وتستخدم كصندوق رشوة للحرس الثوري. وبكلامٍ آخر، فإن زعيم إيران الروحي يقود ذلك النوع من النهب الذي يميز طغاة العالم الثالث.

خلق جشع النظام فجوة ما بين شعب إيران وقيادته جاعلاً من الصعوبة بمكان على المسؤولين إقناع الشباب الإيراني بصدق كي يكونوا حرس الجيل القادم من الثورة. يستطيع آيات الله التبشير "بالموت لإسرائيل" و"الموت لأمريكا" ليلاً نهاراً، ولكنهم لا يستطيعون التستر على نفاقهم. محمد جواد ظريف، وزير خارجية إيران، لديه شهادات من جامعة سان فرنسيسكو وجامعة دينفر، وعلي أكبر ولايتي، كبير مستشاري المرشد الأعلى، درس في جامعة جونز هوبكنز. خامنئي ذاته يتنقل في سيارة بي إم دبليو بينما يطلب من الشعب الإيراني شراء بضائع مصنوعة في إيران. تشبه هذه الظاهرة ما جرى في الاتحاد السوفييتي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي عندما بدت روح ثورة 1917 جوفاء نتيجة نفاق مناصريها. لم يعد بمقدور المكتب السياسي للحزب الشيوعي دعوة المواطنين بصرامة إلى تبني الشيوعية في حين كان المسؤولون السوفييت يتاجرون سراً بسراويل الجينز وتسجيلات البيتلز.

يجب أن يشعر قادة إيران، خصوصاً أولئك في قيادة الحرس الثوري، كقائد فيلق القدس قاسم سليماني، بالعواقب المؤلمة لعنفهم وفسادهم. وبالنظر إلى أن النظام تتحكم به الرغبة في الإثراء الشخصي والإيديولوجيا الثورية التي لا يمكنه الفكاك منها بسهولة، فيجب على العقوبات أن تكون قاسية إذا ما أريد لها أن تغير العادات الراسخة. ولهذا تعيد إدارة ترمب فرض العقوبات التي رفعتها الإدارة السابقة أو تخلت عنها جراء عقد الاتفاقية النووية، وأولى هذه العقوبات سرت مجدداً بدءاً من السابع من آب/أغسطس، فيما ستسري العقوبات الأخرى في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر. نريد لصادرات النفط الخام الإيراني أن تقارب العدم قدر الإمكان بحلول الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر. وكجزء من حملتنا لقمع تمويل النظام الإيراني للإرهاب، عملنا أيضاً مع الإمارات العربية المتحدة من أجل تعطيل شبكة تبادل نقدي كانت تحول ملايين الدولارات إلى فيلق القدس. تطلب الولايات المتحدة من كل دولة سئمت من سلوك الجمهورية الإسلامية المدمر الوقوف إلى جانب الشعب الإيراني والانضمام إلى حملة الضغط التي نشنها. وجهودنا هذه سيقودها بمهارة ممثلنا الخاص الجديد لإيران، برايان هوك.

يشكل الضغط الاقتصادي جزءاً واحداً من حملة الولايات المتحدة، فيما يشكل الردع الجزء الآخر. يؤمن الرئيس ترمب بوضع إجراءات واضحة من أجل ثني إيران عن إعادة إطلاق برنامجها النووي أو المتابعة بنشاطاتها الخبيثة الأخرى. ففي حالة إيران وبلدانٍ أخرى، أوضح الرئيس ترمب أنه لن يتسامح مع أي محاولة للتنمر على الولايات المتحدة، وأنه سيرد الضربة بقسوة في حال تعرض أمنها للتهديد. شعر الزعيم كيم بهذا الضغط، وبغير ذلك لم يكن ليأتي إلى طاولة الحوار في سنغافورة. تعمل رسائل الرئيس العامة بحد ذاتها كآلية ردع، والتغريدات الصارمة التي وجهها إلى الرئيس حسن روحاني في تموز/يوليو والتي نصح فيها إيران بإيقاف تهديداتها للولايات المتحدة صاغتها حساباتٌ استراتيجية: فالنظام الإيراني يفهم القوة العسكرية للولايات المتحدة ويهابها. في أيلول/سبتمبر أطلقت المليشيات في العراق هجمات صاروخية قاتلة على مجمع السفارة الأمريكية في بغداد والقنصلية الأمريكية في البصرة. لم توقف إيران هذه الهجمات التي نفذها وكلاؤها الذين كانت تدعمهم بالتمويل والتدريب والأسلحة. ستحمّل الولايات المتحدة النظام في طهران المسؤولية عن أي هجوم ينتج عنه إصابة لموظفينا أو ضرر لمنشآتنا، وسوف ترد أمريكا بسرعة وبشكلٍ حاسم دفاعاً عن الأرواح الأمريكية.

نحن لا نسعى إلى الحرب، ولكن علينا أن نوضح بشكلٍ موجع أن أي تصعيد هو فرضية خاسرة لإيران؛ فلا يمكن للجمهورية الإسلامية أن تضاهي الشجاعة العسكرية للولايات المتحدة، ولا نخشى إعلام القادة الإيرانيين بذلك.

فضح إيران

يشكل التزام الولايات المتحدة بفضح وحشية النظام الإيراني مكوناً هاماً آخر من حملة الضغط التي تقودها الولايات المتحدة. لا تهاب الأنظمة السلطوية الخارجة عن القانون شيئاً بقدر خشيتها افتضاح أفعالها الحقيقية. ستستمر إدارة ترمب بكشفها لتدفقات العوائد غير الشرعية للنظام، وأنشطته الخبيثة، والصفقات الشخصية الملتوية، وقمعه الوحشي. يستحق الشعب الإيراني أن يعرف المستوى المريع للمصالح الشخصية التي تقود أفعال النظام. لن يكون بمقدور خامنئي وأمثاله تحمل الغضب المحلي والدولي الذي سينتج في حال ظهور كل ما يقومون به إلى العلن. منذ العام المنصرم، نزل المحتجون إلى الشوارع قائلين "اتركوا سوريا، فكروا بنا" و "الناس يعيشون كمعوزين فيما يعيش الملالي كأرباب!" تقف الولايات المتحدة إلى جانب الشعب الإيراني.

فهم الرئيس الأمريكي رونالد ريغان قوة الكشف عند نعته للاتحاد السوفييتي بصفة "إمبراطورية الشر." وبوضعه انتهاكات النظام حينها في دائرة الضوء، وكان يعد بالتضامن مع الشعب الذي عانى طويلاً تحت نير الشيوعية. وبالمثل، لم تخشَ إدارة ترمب من كشف القمع الوحشي للنظام داخل إيران، وذلك لمصلحة الشعب الإيراني نفسه. يتمسّك النظام بمبادئ إيديولوجية معينة، بما فيها تصدير الثورة الإسلامية عبر الحرب بالوكالة، وعبر تقويض البلدان المجاورة ذات الأغلبية المسلمة، ومقاومته العنيدة لإسرائيل والولايات المتحدة، والقيود الاجتماعية المتشددة التي تحد من حريات النساء، بشكلٍ لا يقبل فيه أي أفكار مناوئة. ولهذا، أنكر النظام على شعبه لعقود حقوق الإنسان والكرامة والحريات الأساسية. ولهذا السبب، اعتقلت الشرطة الإيرانية في أيار/مايو، على سبيل المثال، الرياضية المراهقة مايدة هوجابري بسبب نشرها مقطع فيديو وهي ترقص على موقع الانستغرام.

يعد موقف النظام من النساء رجعياً بشكل خاص. فمنذ قيام الثورة، فُرض ارتداء الحجاب على النساء، وتلاحق شرطة الأخلاق الحكومية النساء في الشوارع وتضربهن وتعتقل من يرفضن الامتثال. تظهر فشل سياسة اللباس النسائي هذه بوضوح في الاحتجاجات التي قامت ضدها مؤخراً، وخامنئي بالتأكيد يعرف هذا الأمر. ومع ذلك، حُكم في تموز/يوليو على ناشطة بعشرين سنة من الحبس بسبب نزعها حجابها.

عادة ما يقوم النظام أيضاً باعتقال الأقليات الدينية أو الإثنية بما في ذلك البهائيين والمسيحيين والدراويش الغناباديين عند مطالبتهم بحقوقهم. وهنالك أعداد لا تحصى من الإيرانيين ممن تعرضوا للتعذيب والموت في سجن إيفين، وهو مكان ليس أكثر رحمة من أقبية لوبيانكا، المقر المريع للاستخبارات السوفييتية (كي جي بي). يقبع بين أولئك المسجونين العديد من الأمريكيين الأبرياء المعتقلين بتهمٍ باطلة، وهم ضحايا استخدام النظام لورقة احتجاز الرهائن في سياسته الخارجية.

ومنذ كانون الأول/ديسمبر الماضي نزل المتظاهرون إلى شوارع طهران وكرج وأصفهان وأراك، ومدن أخرى عديدة، من أجل المطالبة سلمياً بحياةٍ أفضل. وفي رده على المتظاهرين، استقبل النظام العام الجديد في كانون الثاني/يناير باعتقالاتٍ عشوائية طالت 5,000 منهم. وما يزال المئات، وفق المعلومات المتداولة، يقبعون خلف القضبان، والعديد منهم سقطوا قتلى على يد حكومتهم ذاتها. وبكل سخرية، يطلق القادة صفة الانتحار على تلك الوفيات.

إننا نقوم بكشف تلك الانتهاكات انسجاماً مع دور الولايات المتحدة. وكما قال الرئيس ريغان في خطابٍ له في جامعة موسكو سنة 1988 "تكمن الحرية في الاعتراف أن الحقيقة لا يحتكرها شخص واحد أو سلطة وحيدة أو حكومة، بل إن حياة كل فرد نفيسة إلى ما لا نهاية، وكل فردٍ منّا وجد في هذا العالم لسببٍ ما، ولديه شيءٌ ما يقدمه." في أيار/مايو، عددت إدارة ترمب 12 مجالاً على إيران تحقيق تقدمٍ فيها في حال رغبت في حصول تغيرٍ في علاقتنا، ومن ضمنها وقفها التام لتخصيب اليورانيوم، وتقديم سجلٍ كامل للأبعاد العسكرية السابقة لبرنامجها النووي، وإنهاءها نشر الصواريخ الباليستية وعمليات إطلاق الصواريخ المستفزة، وإطلاق سراح المواطنين الأمريكيين المعتقلين لديها، ووقفها دعم الإرهاب، وقضايا أخرى.

أوضح الرئيس ترمب أن الضغط سيزداد فقط في حالة عدم التزام إيران بالمعايير التي تريد الولايات المتحدة وشركاؤها وحلفاؤها – والشعب الإيراني نفسه – رؤيتها تتحقق. ولهذا تطالب واشنطن أيضاً طهران إجراء تحسينات ملموسة في مجال حقوق الإنسان. وكما ردد الرئيس على الدوام أنه سيبقى منفتحاً على الحوار. ولكن، وكما هي الحال مع كوريا الشمالية، ستستمر الولايات المتحدة بحملة الضغط التي تشنها إلى أن تظهر إيران تغييرات ملموسة وثابتة في سياساتها. في حال قيام إيران بتلك التغييرات، فإن إمكانية التوصل إلى اتفاق شامل جديد ستزداد باطراد. نحن نعتقد بإمكانية عقد اتفاقٍ مع النظام. وفي غياب اتفاقٍ كهذا، ستواجه إيران كلفاً متصاعدة لجميع نشاطاتها المتهورة والعنيفة حول العالم.

يفضل الرئيس ترمب ألا يقوم بتلك الحملة وحيداً، بل يريد من حلفاء الولايات المتحدة وشركائها المشاركة فيها. وبالفعل، هنالك بلدانٌ أخرى تتشارك نفس الفهم حول التهديد الذي تمثله إيران بما هو أبعد من طموحاتها النووية. لقد قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "إنه لمن الهام البقاء حازمين مع إيران حيال نشاطاتها الإقليمية وبرنامجها الباليستي." فيما قالت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أن "رؤيتها جلية للتهديد الذي تشكله إيران على دول الخليج والشرق الأوسط عموماً"[11].  لا يدع هذا الانسجام الواسع في الرأي حيال التهديد الإيراني مجالاً للبلدان الأخرى للبقاء مترددة عمّا إذا كان عليها الانضمام إلى الجهد العالمي الذي يهدف إلى تغيير السلوك الإيراني، وهو جهدٌ كبير وينمو باستمرار.

قوة الوضوح الأخلاقي

ورث الرئيس ترمب عالماً خطراً في بعض نواحيه كذاك الذي واجه الولايات المتحدة عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى، أو عالم ما قبل الحرب العالمية الثانية مباشرةً، أو العالم كما كان في أوج الحرب الباردة. ولكن جرأة الرئيس ترمب القاطعة، أولاً مع كوريا الشمالية واليوم مع إيران، بينت مقدار التقدم الذي يمكن تحقيقه بالربط بين وضوح القناعات والتأكيد على الحد من انتشار السلاح النووي، بالإضافة إلى التحالفات القوية. تنبع أفعال الرئيس ترمب في مواجهته الأنظمة الخارجة عن القانون من إيمانه أنّ المواجهة الأخلاقية تقود إلى المصالحة الدبلوماسية.

لقد كان هذا مخطط واحدٍ من أكبر انتصارات السياسة الخارجية في القرن المنصرم: النصر الأمريكي في الحرب الباردة. خلال الأسبوع الأول من رئاسته، وصف الرئيس ريغان القادة السوفييت بقوله "إن الفضيلة الوحيدة التي يدركونها هي تلك التي تخدم قضيتهم، أي أنهم يحتفظون لأنفسهم بالحق بارتكاب أي جريمة، وبالكذب، وبالخداع". تهكم محللو السياسة الخارجية يومها على تعليقاته؛ معتقدين أن الصراحة سوف تعيق التقدم نحو السلام. ولكن الرئيس أكد أيضاً على التزامه بالتفاوض مع السوفييت، وهي حقيقة غالباً ما تم تجاهلها. لقد مهد مزج الرئيس ريغان للوضوح الأخلاقي مع الفطنة الدبلوماسية الطريق نحو محادثات 1986 في ريكيافيك، ولاحقاً إلى سقوط الشيوعية السوفييتية بحد ذاتها.

أما أولئك الذين ما يزالون يقدّسون ذات القناعة الطوطمية التي تقول أنّ الصراحة تعيق المفاوضات، فعليهم تمييز الأثر الذي تركه، وما زال يتركه، الخطاب الموجه والضغط العملي على الأنظمة الخارجة عن القانون. وبالمعدل الذي ينهار فيه الاقتصاد الإيراني[12] وتحتد فيه وتيرة المظاهرات[13]، يجب أن يكون من الواضح للقيادة الإيرانية أن المفاوضات أفضل طريق للتقدم.

 

المصدر: https://www.foreignaffairs.com/articles/middle-east/2018-10-15/michael-pompeo-secretary-of-state-on-confronting-iran

 
شارك :

التعليقات (0)

أضف تعليق