مولد السياسة الحيوية

طباعة 2020-01-05
مولد السياسة الحيوية

تأليف                  : مِيشيل فوكو

ترجمة                 : الزواوي بغورة[1]

الناشر                 : منتدى العلاقات العربية والدولية

سنة النشر         : 2018

عدد الصفحات  : 384    

 

تتوزع الدروس التي يتكون منها هذا الكتاب على ثلاث مجموعات، ناقش ميشيل فوكو في الدروس الثلاثة الأولى بعض المسائل المنهجية والسمات الخاصة بفن الحكم الليبرالي في القرن الثامن عشر، وسيجد القارئ بعض الصعوبة في فهمها. وفي تقديري، فإن الأمر يعود إلى ثلاثة أسباب؛ أولها: رغبة فوكو في تقديم الجديد، واصطناع أسلوب غير مباشر في التعبير عن ذلك، وثانيها: محاولة استعادة ما قدّمه سابقًا من أفكار في موضوع السلطة بشكل مكثف، وثالثها: الانقطاع الحاصل في تسجيل هذه الدروس الأولى. وابتداءً من الدرس الرابع وحتى الدرس العاشر، حلل الاتجاهين الأساسيين في الليبرالية الجديدة، ألا وهما: الليبرالية المنظمة الألمانية، والليبرالية الجديدة الأمريكية بطريقة واضحة وسلسة؛ وخصَّ بالدرسين الأخيرين الإنسان الاقتصادي والمجتمع المدني، وكانا بمثابة الخلاصة العامة والنتائج النهائية لهذه الدروس.

وهذا يعني أنه بدلًا من مناقشة السياسة الحيوية، كما هو معلن في العنوان، والمخطط العام للدرس، فإن فوكو قد درس الليبرالية الجديدة بوصفها، كما قال، إطارًا للسياسة الحيوية. وهو ما يطرح مشكلة الليبرالية في فلسفته عمومًا، وفي فلسفته السياسية تحديدًا. ولقد اختلف الدارسون حولها، سواء من جهة علاقتها بمفهومه للسلطة أو بموقفه منها1.

وإذا كان الفصل في الموقف لا يعنينا كثيرًا، فإن الإشارة إلى ما يميز هذا الدرس الذي يعالج الليبرالية الجديدة يحتاج، في تقديرنا، إلى تقديم بعض السمات العامة، ومنها:

1. هنالك بلا شك فرق كبير بين عنوان الكتاب الذي يفترض أن يستأنف درس: الأمن، الإقليم، السكان، ويحلل السياسة الحيوية، وبين مضمون الكتاب الذي يحلل الاقتصاد والليبرالية الجديدة، خاصةً أنه أكد عامل الاقتصاد في الحد من سلطة الدولة، وعلى أهمية الحرية الاقتصادية التي يمثلها الإنسان الاقتصادي، أو ما سماه الذات النفعية في مقابل الذات القانونية. لذا يصح أن يكون العنوان الأساسي لهذا الدرس هو: الليبرالية الجديدة، ولذلك آثرنا أن نضيفه عنوانًا فرعيًّا للعنوان الأصلي.

2. يعتبر حديث فوكو عن الحكم والحكومة والحكمانية (gouvernementalité)2 في هذا الدرس نوعًا من التغيير في المصطلح وتوسيعًا لمجال السلطة بما هي علاقات قوى في وضع استراتيجي، بحيث أصبح يشمل الدولة، أو كما قال: ليست الدولة شيئًا آخر غير الأثر، والمسار الخاص بالسلطة. ومصطلح الحكمانية مشتق من الحكومة، ويفيد مختلف فنون الحكم المطبقة. وعند قراءة النص يدرك القارئ أن فوكو يستعمل في بعض الحالات والسياقات لفظ الحكومة والحكمانية بشكل مترادف، ويبدو في بعض الأحيان أن فوكو يتكلف استعمال لفظ الحكمانية بدلًا من الحكومة. وفي تقديري، أن النص سيستقيم أكثر لو أن فوكو اكتفى بالحديث عن فنون الحكم المختلفة التي أرجعها إلى داعي المصلحة العليا للدولة، وحكومة الشرطة أو الحكومة الإدارية، والحكم الليبرالي.

3. لا يخلو درس من دروس ميشيل فوكو من بحثٍ عن المبدأ الناظم لأعماله التي أنجزها، أو البحث عن ذلك المبدأ المنظم لأبحاثه وفلسفته التي يغلب عليها الطابع التاريخي المجزّأ. ولقد تميز درس هذه السنة بمحاولة تصنيفه ضمن تاريخ الحقيقة الذي يشتمل، في نظره، على ما قدّمه في تاريخ الجنون والجريمة والجنس، أو ما هو بصدد إنجازه حول السوق والليبرالية. وهو ما يفيد أن ثمة في هذا الدرس، وكذلك في بقية دروسه، إرادة في تأكيد فكرة المنهج التي تأخذ صيغًا كثيرة، منها: (الطريقة، الحالة، الكيفية، الأسلوب). ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن منهجه الأركيولوجي–الجينيالوجي يهتم أكثر بسؤال: كيف تحدث الأشياء؟ وفي سياق ثقافتنا العربية المعاصرة، فإن ما يفيدنا في هذا الدرس هو التمعن في هذه القاعدة المنهجية الأساسية في تقديري، والتي تقول: ليس مهمًّا بمكان الحديث عن أخطاء القدماء، وإنما المهم هو معرفة النظام الذي أدى بهم إلى قول ما قالوه، سواء أكان صحيحًا أم خاطئًا.

4. لا نستطيع، في تقديري، فهم موقف فوكو من الليبرالية بعيدًا عن موقفه من الماركسية. ويظهر ذلك جليًّا في حضور القاموس الماركسي والنظرية الماركسية ومجمل القضايا التي طرحتها الماركسية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، العلاقة بين الاقتصاد والقانون، حيث رفض أن يكون القانون مجرد عنصر في البنية الفوقية، كما تقول بذلك الماركسية، وإنما رأى أن القانون جزء من البنية التحتية، أو وفقًا للمصطلح الماركسي الذي يستعمله فوكو، جزء من علاقات الإنتاج وليس جزءًا من البنية الفوقية، موافقًا بذلك طرح ماكس فيبر الذي ينتصر لأطروحاته. وكذلك في إقراره بغياب حكمانية اشتراكية، أو ما سماه غياب فن اشتراكي في الحكم.

5. وبهذا الطرح يعيد فوكو توظيف مفهومه للسلطة، خاصةً من جهة أن السلطة منتجة وليست قمعية. وبهذا المعنى أيضًا، فإن استعماله للحكم والحكومة والحكمانية لا يعني تخلِّيه عن مفهوم السلطة الذي عرضه في كتابه: إرادة المعرفة، وإنما هو توسيع لمجاله، وتحديد لبعض عناصرها الأساسية، خاصة عنصر الحرية الاقتصادية بوصفها حدًّا ذاتيًّا للحكم أو السلطة في صورتها الليبرالية. وفي هذا السياق، يجب أن نشير، وذلك مهمَا كان موقفنا من تحليله لليبرالية، إلى تركيز فوكو من جهة على فكرة الحرية أنها ممارسة، غرضها الحد من السلطة أو الحكومة أو الحكمانية، ومن جهة أخرى تأكيده أن الليبرالية تعني (العيش في خطر)، وأنه لا وجود لليبرالية من دون ثقافة الخطر. ومهما اختلفنا في تقدير موقف فوكو من الليبرالية أو الليبرالية الجديدة، فإنه كان يرى فيها نوعًا من الفن الجديد في الحكم. وهذا في حدّ ذاته له دلالته، خاصةً إذا اعتبرنا أن فوكو يبحث دائمًا ووفقًا لمنهجه عن التفرد والتميز والأشكال الجديدة. ورغم إصراره على عدم تقديم أحكام قيمية، فإنه لم يتردد في وصف هذه الليبرالية بالمهمة، أو بالأحرى بالشكل الجديد والمهم في فن الحكم، وبأنها تُمثّل شكلًا من أشكال نقد الحكم.

6. لعل ما يهم قارئ الفلسفة هو ما قدّمه فوكو من قراءة جديدة لمذهب المنفعة في تاريخ المذاهب الأخلاقية وعلاقته بالسياسة عمومًا والليبرالية تحديدًا. وهو أمر أغفلته معظم الدراسات الأخلاقية لهذا المذهب، خاصةً في الكتابات العربية. وكذلك تطبيقه للتحليل الوضعي المنطقي، ولنظرية أفعال الكلام في المجال الاقتصادي على نظريات الليبراليين الجدد، خاصة الأمريكان منهم تحديدًا. 

7. طبّق في هذا الدرس منظوره الفلسفي القائم على دراسة الممارسات، وتشخيص الحاضر. ويعتبر دراسة الليبرالية محاولة لفهم الحاضر. وكما هو معلوم، فإن هذا التصور استقاه من قراءته لنص كانط: ما التنوير؟ وكذلك من خلال محاضرته التي قدّمها حول النقد، وإن كان قد سبق له في الستينيات أن ذهب إلى القول إن البنيوية تشخيص للحاضر3. وفي تقديري، أن ما وصف به الليبرالية من كونها تعني من بين ما تعني (العيش في خطر)، وذلك بحكم تلازم الحرية بالأمن، يتصل اتصالًا وثيقًا بالحاضر، سواء فهِمنا من ذلك الحاضر ضمن الزمن الغربي، أو الحاضر ضِمن الزمن العالمي الذي يشخص في العولمة.

8. وأيًّا كان تقديرنا لهذا الدرس ولموضوعه، فإن الدرس يتميز بتقديم تصور عام عن أبحاثه، أو عرض الفكرة الجامعة لفلسفته، ثم محاولة تلخيص ما توصل إليه في الدروس التي قدّمها في السنوات السابقة، خاصة تلك التي لها صلة بموضوع الدرس الذي يقدمه ثم تحليل الموضوع، والانتهاء إلى بعض النتائج، والتوقف أو الإشارة إلى المشكلة التي سيعالجها في الحصة القادمة، مستعملًا التكرار والتوضيح وصيغ المخاطبة المختلفة، وهذا بالطبع من أجل إثارة الانتباه، وممارسة نوع من التأثير في مستمعيه. وعلى الرغم من أن بعض المقاطع تبدو غامضة، نتيجة الاسترسال المفرط في بعض الأحيان، ومحاولة استعادة أفكار كثيرة بشكل مختصر، فإننا نستطيع القول إن درس فوكو يتمتع بوضوح منهجي جليّ، بل لا نجانب الصواب إذا قلنا إن هذه الدروس تُشكّل مدخلًا مناسبًا لقراءة فلسفته كلها، شريطة تتبع حركتها، وعملية انتقالها، وتقدُّمها وتراجُعها. ومن هنا تأخذ الفواصل، والنقاط، والجمل الاعتراضية دورًا محوريًّا في قراءة هذه النصوص.

ولقد اتبعنا طريقة محددة في ترجمة هذا النص الشفهي والذي يتميز، كما قلنا، بالاسترسال، والتكرار، والإعادة، والتوضيح، وما يستلزم ذلك من صيغ لغوية مكررة، حاولنا قدر الإمكان أن نحافظ على حركتها حتى تبدو للقارئ في صورتها الحقيقية. نعم، ثمة بلا شك حالات كثيرة من التكرار، وإعادة للعبارات والجمل نفسها، والتذكير، وهو ما ينطبق إجمالًا على الدرس الملقى، بل لا نبالغ إذا قلنا إن فوكو يتعمد التكرار في بعض الأحيان، وهو ما يجعل المترجم في حيرة بين اعتماد التكرار أو اللجوء إلى الاختزال الذي أجريناه في بعض الحالات المعدودة جدًّا، ولكننا عمومًا احتفظنا بالتكرار في معظم النص، وذلك لسببين؛ أولا: لأنه درس شفوي موجَّه لجمهور عام غرضه الفهم والتوضيح والإقناع. وثانيًا: لأن الترجمة، كما قال أنطوان بيرمان، تفرض علينا أن نحافظ على الغريب والمختلف. من هنا، فإنني سايرت النص في حركته قدر الإمكان، ولم أتدخل إلا عندما تكون الجمل طويلة جدًّا، بحيث تبلغ في بعض الأحيان صفحة كاملة؛ مما يتطلب تقسيمها إلى جمل محددة. كما أنني احترمت قدر الإمكان الجمل الاعتراضية، والجمل التكرارية، وصيغ السؤال المباشرة وغير المباشرة، وحاولت قدر الإمكان نقل النبرة والإيحاء والإيقاع الذي يتمتع به النص، رغم الفوارق الكثيرة بين اللغتين، الفرنسية والعربية. واتبعت حرفيًّا طريقة التحقيق المعتمدة في النص، سواء من حيث توزيع الفقرات، أو العلامات، أو الهوامش المرفقة بالنص. وترجمت كل إحالات الفيلسوف، أي تلك التي كتبها هو بنفسه على المخطوط، أما ما قام به المحققون، فاكتفيت بالأساسي منها، وتقديم ما يضمن الأمانة العلمية. وزودت القارئ العربي بالنصوص المترجمة إلى العربية كلما كان ذلك مناسبًا.

الهوامش

1. انظر على سبيل المثال الدراسات الآتية:

- Maria Bonnafous-Boucher, Le libéralisme de la pensée de Michel Foucault : un libéralisme sans liberté, Paris, L'Harmattan, 2004.

-  André Orléan / Jean-Yves Grenier, Michel Foucault, l’économie politique et le libéralisme, in les Annales. Histoire, Sciences Sociales, 5/2007(62e année), p.1155-1182.

-  Jacques Bidet, Foucault et le libéralisme, Rationalité, révolution, résistance, in Actuel Marx, 2006/2 n°40, PUF, p. 169 -185.

-  Jérôme Lamy, « Les sources libérales de la biopolitique », Cahiers d’histoire. Revue d’histoire critique [En ligne], 123 | 2014, mis en ligne le 01 avril 2014, consulté le 15 janvier 2017.

URL : http://chrhc.revues.org/3509.

-  Jean-Pierre Laurent, Une sociologie foucaldienne du néo-libéralisme est-elle possible ? in Michel Foucault : sociologue ? Sociologie et sociétés, vol. xxxv, 2, automne 2006.

2. دانيال زامورا، «ميشال فوكو هل هو نيوليبرالي؟» في مجلة: بدايات، العدد 12، صيف وخريف 2015، ص 102-113.

3. حسين يوسف بوكبر، «مفهوم المجتمع المدني عند ميشيل فوكو بين تقنيات الحكم وإمكان المقاومة»، في مجلة: تبين، العدد 18/5 خريف 2016، ص21-46. أنجز هذا الباحث أطروحة ماجستير حول مفهوم السياسة الحيوية عند ميشيل فوكو، تحت إشرافنا، وكانت مناسبة لمناقشة موقف فوكو من الليبرالية.

4. المقصود بهذا المصطلح هو فنون الحكم المختلفة، وهو ما أشار إليه فوكو في الدرس الأول من هذا الكتاب.

وبالنسبة إلى ترجمته انظر:

5. ميشيل فوكو، دروس، ترجمة محمد ميلاد، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء - المغرب، 1994.

6. انظر كتابنا: ميشيل فوكو، ما التنوير؟ الكويت: دار آفاق للنشر، 2016.

 

 

[1] كاتب وأكاديمي جزائري، أستاذ الفلسفة المعاصرة بقسم الفلسفة، جامعة الكويت.

 

شارك :

التعليقات (0)

أضف تعليق