الماوردي: فقيه السياسة في عصر مضطرب

طباعة 2020-06-15
الماوردي:  فقيه السياسة في عصر مضطرب

لا أحسب أن الدراسات الدينية تحتمل مؤلِّف رولان بارت الميت؛ فجثة تلك النظرية لا يمكن تطبيقها عند الكتابة-خاصة- عن علماء الدين. فحقيقة أن "الحضارة الإسلامية" ملتصقة بهذه الصفة "إسلامية" توحي أن تلك الحضارة تطورت ونمت حول الإسلام بأبعد من امتداداته الدينية؛ حيث امتزجت حضارات متعددة في حضارة واحدة. لقد كان لوحدة هذه الحضارة الإسلامية أمر واحد ساهم في تماسكها: صفتها "الإسلامية" تلك اللاصقة بها. وهكذا حملت كل حضارة اعتنقت الإسلام أمتعتها معها، وكذلك أثقالها، إلى الدين الجديد. غير أن كون البيئة العربية كانت حاضنة الإسلام الأولى أعطاها، نوعًا ما، اليد العليا أمام الحضارات/الثقافات الأخرى التي شكلت الحضارة الإسلامية. فهل كانت بعض العقائد التي تشكلت في بداية الإسلام ضربًا من التنافس الثقافي اتخذ له وجودًا دينيًّا؟ سؤال لا ينفك عن التدخل الثقافي والحضاري في تركيبة الحضارة الإسلامية.

لم يعدّ السلف في الصدر الأول الإسلامَ متاعًا يحملونه متى وأين ما أرادوا، ويطرحونه متى ما حلا لهم طرحه جانبًا. لم يكن لديهم طقس زماني ولا مكاني؛ ومن هذا الباب ينبغي فهم الأسئلة السياسية في صدر الإسلام. هكذا انبعثت أسئلة السياسة والحكم عقيب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرنا التاريخ أن السؤال حينها كان عن "من يحكم" وليس عن "كيف يحكم المسلمون". قضي الأمر في الفكر السني عند اختيار أبي بكر أول خليفة. بيد أن الشيعة، بعد استقرار الفوارق والفرق، أصبح لديهم خليفتهم ولكن بدون "خلافة". ولأن كثيرًا من الأفهام التي استقرت لدى الفريقين أتت بعد وقوع الحدث، فقد صنع ذلك أشد العقائد الطائفية تعقيدًا لدراستها.

بدأت الرحلة السياسية السنّية من بدء عصر الخلافة الراشدة، وانتهت إلى أنظمة الملك والتوريث. ولم يكن اختلاف السلالات التي حكمت طوال التاريخ الإسلامي اختلافًا في نظم الحكم، ولكن إتيانًا بـ"آل" غير الـ"آل" الذين تسوّدوا لزمن طال أو قصر. مع ذلك، فقد نظر أهل السنّة إلى مؤسسة الخلافة مركز وحدتهم أمام ضربات وانقسامات الفرق المتناحرة والمعارضة. وبالرغم أن المدرسة السنّية لم تنظر إلى أي أمر أو أحد، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، نموذجًا "يجب" الأخذ به، غير أن أنظمة الحكم التي توالت شكّلت النموذج السياسي السنّي. وإذا أخذنا بالاعتبار مركزية الخلافة في الهوية السنّية، فلربما فسر ذلك ما يبدو وكأنه اتجاه تبريري في الفكر السياسي السنّي. فقد اعتبر جِب، على سبيل المثال، كتاب الإمام الماوردي الأحكام السلطانية وثيقة دفاع عن الوضع زمن الماوردي، "أو توجيه في التفسير، أوحت به وشكلته ظروف المؤلف"[1]. ولعل نص روزنتال الآتي يلخص تصور السنة وغير السنة للفكر السياسي السنّي على حد سواء: "توخت أطروحة الماوردي إيجاد الأسس التنظيرية لتحديد مجالات السلطة بين الخليفة، المسؤول عن الشؤون الدينية، وبين الأمير، المتحكم الفعلي في الإدارة المدنية على أساس من الاتفاق التفاوضي"[2]. وقد كان روزنتال مدركًا طبيعة السلطة في الإسلام عندما شرح أسباب حاجة أمثال البويهيين إلى إظهار الولاء للخليفة لإضفاء الشرعية على سلطتهم[3].

طوّر الشيعة، على الجانب الآخر، نظريتهم السياسية؛ حيث كان النص من الله والرسول هو الذي يعيّن الإمام[4] وليس أمام الناس سوى القبول والتسليم. وفي عصر الماوردي كانت نظرية الإمامة الشيعية قد استقرت تمامًا، وذهب الإمام الثاني عشر في أغوار "الغيبة الكبرى". وبالرغم من أن الإمامة عند الشيعة تبدو أكثر قدسية من مقابلها السنّي، غير أن الشيعة يؤمنون بأن ضرورة الإمامة معلومة بالعقل وليس بالشرع[5]. إن شرح النظرية السياسية لدى السنّة والشيعة خارج هدف هذه الورقة، ولكن كان من المهم الإشارة -برزمة أسئلة-إلى الفوارق الرئيسة في النظرية السياسية لدى الفريقين؛ لفهم واقع الفكر السياسي الإسلامي في عصر الإمام الماوردي. وفيما يتعلق بالفكر السياسي لدى الشيعة، ثمة أسئلة تستحق الوقوف عندها:

ما مدى انفصال أو اتصال النظرة السياسية الشيعية بالواقع إذا كان تطورها "تجريديًّا" بدون أي تطبيق فعلي لها؟

هل كانت الغيبة الكبرى دلالة على يأس شديد من أن "الإمامة" لم تقم لها قائمة بعد هذا النضال الدموي الطويل الأمد على الجانب الشيعي؟[6] أم كانت دلالة على القبول الصامت بالخلافة، بينما يتم إبقاء العقيدة حية لمصلحة أولئك المسيطرين على الطائفة؟

هذه أسئلة لا ننوي الإجابة عنها هنا، ولكن رب سؤال خير من أجوبة اليقين البارد. وإنما طرحتها هنا حتى يمكن لنا السير مع الماوردي بآفاق مفتوحة على كل الاحتمالات في تفسير موقفه السياسي أو محاولة فهمه، بعيدًا عن توتّر بعض الدراسات المعاصرة، ومستحضرين ثقل التجربة السنّية في الحكم مقابل الفرق الأخرى.

 

عصر الصراعات

اتسم عصر الماوردي بالاضطراب والقلاقل السياسية وكذلك الصراعات الطائفية[7]. كانت بغداد في قبضة البويهيين، وأصبح الخليفة العباسي تحت سيطرتهم الكاملة؛ فليس له من الأمر إلا ما أذن له البويهيون، وغدا منصب الخلافة في أوهى حالاته؛ بحيث كان على الخليفة أن يذهب خارج بغداد احتجاجًا منه لكي يتم له ما يريد[8]. أما الصراعات المذهبية فلم تعد حينها بين الخصمين التقليديَين: السنة والشيعة، بل اتسعت داخل الطائفة نفسها، كالصراع بين الأشاعرة والحنابلة[9].

وفي عصر مضطرب كذاك العصر، كان الإسهام السياسي للماوردي أمرًا لا بد منه. كان على هذا الفقيه الماهر المحيط بالمشهد السياسي في عصره أن يأخذ بالاعتبار الطبيعة الهشة للخلافة الإسلامية. إنها عملية تشييد نظرية سياسية منظمة من حطام الواقع. وكان أمام الماوردي إرث ثلاثمائة عام من آراء الفقهاء المتفرقة قبله، وتاريخ الخلافة بوجهها العملي، ليستخرج ما أودعه في كتابه الأحكام السلطانية. ولم يكن ذاك الإرث والتاريخ العقبة الوحيدة أمام الرجل؛ بل كانت طبيعة عصره تحديًا آخر أمامه. فالخليفة العباسي أصبح مجرد واجهة يرفعها البويهيون لشرعنة سيطرتهم على مؤسسة الخلافة. وفوق ذلك، كان الماوردي واعيًا بالعقيدة التي يحملها هؤلاء والمتناقضة تمامًا مع وجه الخلافة السنّي، أو عقيدة الغالبية المسلمة حينها. كانت حقبة تجاوز أثناءها الجدل الطائفي جدران المساجد والمدارس إلى معارك جماهيرية ذات عواقب وخيمة.

إذن، ربما كان واضحًا أن الماوردي هدف إلى الحد من سيطرة البويهيين على الخلافة، كما يشير حنّا ميخائيل[10]. فهل كان هذا الفقيه سجين الخيال عمّا ينبغي أن تكون عليه الخلافة؟ تجدر الإشارة إلى أن الفقيه المسلم، بشكل عام، يتعامل مع قضايا عملية بشكل يومي؛ لذلك فلا مكان للخيال هنا، خاصة إذا كان الأمر متعلقًا بمفهوم إسلامي خطير كالإمامة. وقد رفض هاملتون جب فكرة أن الماوردي كان يضفي المثالية على واقع مزرٍ[11]. فالماوردي لم يشهد انحدار الخلافة السنية فحسب، بل رأى صعود خصمها العقائدي، الشيعة، وسيطرته عليها. لم يكن من اليسير في زمن ومكان تعلو فيه المعارك الطائفية أن يقبل فقيه سني بمثل هذه الحقيقة المرة[12].

العقل والنقل

يستطيع قارئ الماوردي لمس آثار جدل المدارس الفكرية الإسلامية في كتبه. وإحدى تلك الجدليات التي أثّرت في كتاباته هو السؤال الذي دار لعصور قبله: العلاقة بين العقل والوحي. قدم حنّا ميخائيل ملخصًا تاريخيًّا جيدًا عن آراء المدارس الفكرية الإسلامية المختلفة تجاه هذه العلاقة[13]. يركز ميخائيل على المعتزلة الذين حاولوا، كما يرى، الملاءمة بين الوحي والعقل[14]. كما يسأل سؤالًا مهمًّا عن الأسباب التي أدت إلى فشل الفكر المعتزلي وعجزه عن الاستمرار، ويخلص إلى إجابة ذكية، بغض النظر عن رأينا فيها، ألا وهي أن المعتزلة كانوا أعمق فكرًا من أن يستطيعوا صنع حركة فكرية جماهيرية[15]. وبالرغم من أن هذه الإجابة مثيرة للاهتمام حقًّا، غير أن ما غفل عنه ميخائيل أن الحركات الجماهيرية في التاريخ الإسلامي كانت مبنية على "اتّباع" هذه العقيدة أو تلك، وليس بالضرورة بناء على استيعابها. فلطالما جذب بهاء العقيدة الجماهير ليشعروا بدفء عاطفتهم تجاهها، ويفهموها على هذا الأساس.

آراء الماوردي السياسية

لعل أبرز ما يواجه قارئ الأحكام السلطانية هو تركيز الماوردي على مبدأ "اختيار" الخليفة. ومن هنا ينبغي التنبه إلى آرائه التي دارت حول "الخلافة" كمؤسسة سياسية. يستهل الماوردي كتابه بذكر الأهمية الدينية للخلافة؛ إذ يعدّها وريثة النبوة في حماية الدين والدنيا[16]. علينا ألا نغفل عن أهمية هذه الصبغة الدينية على الخلافة في دراستها والوقوف على آثارها طوال تاريخنا الإسلامي. لكن علينا التنبه أن هذه الصبغة يمكن فهمها في سياق "وظيفة" الخلافة وليس تصويرًا لمكانتها؛ فليست الخلافة مقدسة، كما قد يفهم من ربطها بالنبوة، بل الشيء المقدس هنا هو "الدين"، تحميه الخلافة وتذود عنه. كانت الدولة في الحضارة الإسلامية من نتاج الدين، وهذا أمر حاسم في كيفية تشكّل مفهوم الدولة في المفهوم الإسلامي. لذلك، كان لدى الدولة في الفكر السياسي الإسلامي وظيفة مقدسة: "حماية الدين"، وأخرى عملية: "سياسة الناس". لذا لا غرابة أن نجد من المعتزلة، على سبيل المثال، من يرى ألّا حاجة إلى الدولة إذا كف الناس عن ظلم بعضهم بعضًا، فقال الأصم المعتزلي: "لو تكافّ الناس عن التظالم لاستغنوا عن الإمام"[17]. وهذه كلمة موجَّهة إلى الجماهير وليست إلى الدولة.

يناقش الماوردي بعد ذلك ما إذا كانت الخلافة واجبة بالشرع أم بالعقل. ويذكر كلا الرأيين ودليلهما باختصار[18]. ويمكن لنا القول إنه يميل إلى ثبوت الخلافة بالشرع إذا ربطنا تعليله لقول مثبتيها بالشرع باستهلاله الكتاب بأن الخلافة وضعت لحراسة الدين وسياسة الدنيا، كما ذكرنا آنفًا. ثم يذهب إلى أن القيام بالخلافة فرض كفاية[19]. واللافت للنظر هنا أنه يحمّل القصور عن اختيار خليفة على فريقين: "أحدهما أهل الاختيار...والثاني أهل الإمامة، وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم"[20]. وهذه العبارة الأخيرة هنا لافتة؛ إذ يمكننا فهمها ليس بإخراج الأمة من باب المشاركة في اختيار الخليفة، بل الحرص على رفع ثقل الدولة عنها.

تناول الماوردي، من ثمّ، صفات أولئك الذي سيختارون الخليفة، وكذلك الشروط التي ينبغي توفرها في الخليفة. أما ما يتعلّق بأهل الاختيار، "فالشروط المعتبرة فيهم ثلاثة: أحدها: العدالة الجامعة لشروطها. والثاني: العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها، والثالث: الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح وبتدبير المصالح أقوم وأعرف"[21]. أما ما يخص شروط الخليفة، فيذهب إلى وجوب توفر سبعة شروط: العدالة، والعلم المؤدي إلى الاجتهاد، وسلامة الحواس، وسلامة الأعضاء من أي نقص، والرأي السديد، والشجاعة، والقرشية[22]. إذن اشتملت شروط الخليفة التي ذكرها الماوردي على السلامة الجسدية والعقلية.

وهنا يبدأ الماوردي بتأكيد أهمية "اختيار" الخليفة. فالخلافة حسب تعبيره "عقد مراضاة واختيار، لا يدخله إكراه ولا إجبار"[23]. وكما لاحظ حنّا ميخائيل، بذكاء، أن تأكيد الماوردي اختيار الخليفة يمكن فهمه من جهات ثلاث:

"رفض المبدأ الشيعي المعارض وهو التعيين الإلهي أي المستمد من النص".

"حتى عندما يلي الإمام منصبه عن طريق القوّة، فلا بد له من أن يستوفي حدًّا أدنى من الشروط يبقى لأهل العلم وحدهم أن يحكموا عليها".

"أن الإمام حين يدخل في تعاقد...يكون قد تعهّد حفظ الشريعة وتثبيتها باعتبارها الدستور المثال للجماعة الإسلامية"[24].

 لكن ثمة مفهوم آخر يسترعي الانتباه أكّده الماوردي بخصوص الخلافة؛ وهو أنّها "عقد" بين الرعية والخليفة[25]. ومن ثمّ يعتقد الماوردي بأن من اختير للخلافة له الحق في رفض هذا الاختيار، وأن رغبته هذه معتبرة ويجب احترامها. بنى الماوردي رأيه هذا، كما أشار، على مفهوم الخلافة كـ"عقد"[26]. كما أن الاختيار هنا نتيجة طبيعية لنظرية التعاقد؛ إذ كيف يُتصور صحة هذا التعاقد إذا فيه إكراه؟

هذه النظرة إلى الخلافة تؤكّد أن موقع السياسة في عصر الماوردي ليس بذات الثقل الذي نراه اليوم، وأن تعامل الفقهاء المسلمين معها كان كتعاملهم مع سائر الأحكام الأخرى في مدوناتهم الفقهية؛ يتضح ذلك أن الماوردي يذكر الأقوال الفقهية المختلفة في كتابه الأحكام وكأنه يتناول أي باب آخر من أبواب الفقه. ثم إنّ رؤية العلماء إلى أنفسهم بأنهم الذين ينظّرون في السياسة ويتناولون أحكام الدولة يشير إلى تنظير فوق السلطة وليس خاضعًا لها، والأهم من ذلك كله أن العلماء كانوا الحكام الفعليين في المجتمعات الإسلامية[27].

 

أولو الأمر العلماء

ذكر فهمي هويدي، في كتابه إيران من الداخل، قصة قد تكون معبرة عمّا نحن بصدد نقاشه هنا. قال إن وفدًا من شخصيات إسلامية زار إيران في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ورتب لهم أوّلاً لقاء مع أعضاء مجلس صيانة الدستور، وأثناء اللقاء "أعرب أحدهم عن رغبة الوفد في لقاء رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء. عندئذ تبادل اثنان من آيات الله الابتسام، وقال أحدهما للآخر مستنكرًا بلغة عربية سمعها الزوار، بعد اجتماعهم معنا، لماذا يريد إخواننا أن يضيّعوا وقتهم مع أولئك الموظفين؟!"[28].

قد لا تصور هذه القصة حقيقة دور علماء السنة في الاستقلال بالمجتمعات السنية بعيدًا عن المؤسسة السياسية، وإن كانت عبارة "العلماء حكام على الملوك" حاضرة، في المقابل، في التراث الشيعي[29]. أما فيما يخص الشيعة فيبدو أن العلماء كانوا هم الحكام الفعليين في ظل غياب دولة تمثلهم في القرون الأولى من تاريخ الإسلام.

قدّم الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين تحليلًا لبدء انفصال العلماء عن الحكام؛ ذاهبًا إلى أن الحكم بدأ مع الخلفاء الراشدين بحكام كانوا علماء في الآن نفسه، ثم تولى الأمر من افتقد العلم، ومنذئذ سار الفريقان في اتجاهين منفصلين. ونبه كذلك أن هذا الانفصال هو الذي صنع طبقة من الناس اتخذت العلم-الفقه خاصة-سبيلًا للتقرب إلى الحكام[30]. يقول الإمام الغزالي "اعلم أن الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم تولاها الخلفاء الراشدون المهديون، وكانوا أئمة علماء بالله تعالى، وفقهاء في أحكامه، ومستقلين بالفتاوى في الأقضية... فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى أقوام تولوها بغير استحقاق، ولا استقلال لهم بعلم الفتاوى والأحكام... اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء..."[31]. ما يهمنا من كلام الإمام هو هذا التصور للحاكم الذي يعد الدين والعلم جزءًا منه، والانفصال الذي أشار إليه لم يكن انفصالًا بين فريقين (العلماء والحكام) فحسب؛ بل كان انفصالاً في طبيعة الحكم نفسه. من هذا المنطلق يمكننا فهم أدبيات التحذير من الدخول على الحكام والاتصال بهم، والتي امتلأت بها كثير من كتب علماء المسلمين.

يذهب وائل حلاق إلى أن طبيعة مجتمع العلماء البارز من أوساط الطبقات الاجتماعية بشتى ألوانها، وثم طبيعة الإفتاء الذي جعل الصلة بين الناس وبين العلماء شبه يومية، كل ذلك أدى إلى مكانة متميزة لأهل العلم، فكان أن "برز الفقهاء والقضاة كقادة مدنيين وجدوا أنفسهم، بحكم طبيعة "مهنتهم"، مشاركين في الإدارة اليومية للشؤون المدنية"[32].

لكن صاحب الفضل البارز في تطوير أطروحة "سلطة العلماء" هو المغربي عبد المجيد الصغير في كتابه الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام[33]. وقد مهد في مقدمته القيمة لكتابه بالحديث عن الأسس التي يمكن بناء أطروحته عليها. كان من أهم الإشارات الذكية التي طرحها الصغير في مقدمة كتابه هو امتزاج العقائد الكلامية بالدعوات السياسية (الخوارج والمعتزلة وغيرهم)؛ وكأن هذه الدعوات/الثورات، ممثلاً لها بثورة "القرّاء"، "تمثل صميم حاملي "الكتاب" والمتعاطين "للعلم" على مواجهة "صاحب السيف"، وإرغامه على خضوعه للعلم والكتاب، باعتباره مصدرًا للشرعية والسلطة"[34].

نقلنا آنفًا قول الماوردي عند الحديث عن الصنفين الموسومين بالتقصير إذا حدث إخفاق عن اختيار الخليفة: "أحدهما أهل الاختيار... والثاني أهل الإمامة، وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم"[35]. وعلينا الانتباه إلى إخراجه بقية الأمة من مأثم التقصير عن اختيار الخليفة، وما يوحيه لنا هذا النص عن ثقل الدولة/السلطة على الأمة من عدمه.

ما يمكن الاستدلال به كذلك على استقلال العلماء بالمجتمعات الإسلامية عن (السلطة السياسية) هو الخط البياني لحال أهل العلم والمجتمع في التاريخ الإسلامي؛ ففي الأوقات التي شهدت فيها الحالة السياسية انهيارًا تامًّا لم ينعكس هذا الانهيار على المجتمعات المسلمة ولا على محيط العلماء[36]. ولعلّنا بدراسة هذا الانفصال قد نفهم الحركة الإصلاحية التي قام بها نظام الملك في الشأن التعليمي بإنشاء "المدارس النظامية"؛ وهي حركة تتجاوز-في رأينا-إصلاح التعليم ومواجهة الفرق الباطنية إلى محاولة تنظيم هذا الصف (العلماء) الذي انفصل عن أهل السياسة[37]، والذي له أثر سلطوي في الجماهير أكثر مما للدولة عليهم.

 كما يمكن التدليل على هذا الانفصال بمقارنة حالات الدول غير السنية، أو حتى السنية القليلة، التي امتزج فيها العالم والحاكم في رأس الدولة. وأقرب الأمثلة: الدولة الزيدية والإباضية.

لفهم انفصال العالم عن السلطان في الحالة السنية، واتصالهما في دول مثل الزيدية والإباضية؛ على الباحث أن يبتعد عن أطروحات المدرستين الأخيرتين في طورهما التنظيري/ الثوري. فعالم المُثل في الحركات الثورية يشابه مثال العهد الراشدي عند أهل السنة؛ أي إن للتجربة التاريخية ثقلها الذي لا نستطيع إغفاله في دراسات تعنى بالجوانب السياسية عند هذه الطائفة أو تلك. لذا كان من الأجدى دراسة هذه الجوانب بعد أن سارت التجربة بمثل هذه الدول المؤسسة على أفكار تلك الطائفتين قرونًا أصبحت بعدها التجربة التاريخية هي التي توجه التنظيرات لديهما.

 

الخلافة: الحفاظ على المؤسسة

لعل أحد الجوانب التي ينبغي الانتباه إليها عند الحديث عن الطرح السياسي للماوردي، هو "عدم" التركيز على الخليفة، ولكن عوضًا عن ذلك التشديد على الخلافة كمؤسسة، كما أسلفنا، وكذلك الالتفات إلى أدوار أعمدة الدولة الآخرين: الوزراء والأمراء وقادة الجيش... الخ. أي إذا كانت الخلافة، كحالها في عصر الماوردي، في انحدار، والسلطة في أيدي قادة الجيوش أو عمّال الأقاليم، فجدير أن تُدرس نظرية الماوردي عن النظام السياسي بأكمله. ربما كان أحد أخطاء بعض من درس الماوردي الأخذ بتنظيره في جانب محدد وهو رأس الدولة (الخليفة). ولنا أن نتساءل: إلى أي مدى كانت أهمية الخليفة، كمكانة وسلطة، في عصر الماوردي؟ من هم اللاعبون السياسيون الرئيسون حينها؟ لقد تحدث الماوردي عن مسؤوليات قادة الدولة وقضاتها وعمّالها في كتابه الأحكام السلطانية، وفي كتابه الآخر قوانين الوزارة. أعطى الماوردي الوزير، في مقدمة كتابه الأخير، عدة نصائح تشدد على العدل وفضائل أخرى غيره. كانت إحدى نصائحه أن "العدل استثمار دائم، والجور استئصال منقطع"[38]. أشار الماوردي بأن إحدى مسؤوليات الوزير أمام الخليفة عند تنفيذ أوامره أن "يتصفحها من زلل في ابتدائها، ويحرسها من خلل في أثنائها"[39]. وأما مسؤولياته أمام الأمة فأحدها ألّا "يعارض صنفًا منهم في مطلبه"[40].

لعل من الفصول اللافتة في كتاب الماوردي قوانين الوزارة هو الفصل الخاص بالحذر[41]. فنصائحه للوزير ربما أشارت إلى أن الكتاب لم يقصد به القارئ العام؛ ولكن بالأحرى كان توجيهات سرية موجهة لأحد الوزراء في عصر الماوردي[42]. يلخص نصائحه للوزير بداية بأن الحذر "يلزم من أربعة أوجه: أحدها الحذر من الله فيما فرض، والثاني الحذر من السلطان فيما فوّض، والثالث الحذر من الزمان فيما اعترض، والرابع الحذر من غلبة الأعداء ومكر الدهاة"[43].

تظهر هذه النصائح طبيعة السلطة في عصر الماوردي؛ فالشيء الوحيد الذي يجدي هنا هو وعي المرء وانتباهه لما حوله. ولربما توحي نبرة الكتاب بأنه كان نصيحة شاملة لأحد الأمراء الغزنويين. فقد كان هؤلاء حينها قد أحرزوا انتصارات متتالية على البويهيين في أكثر من مكان؛ مما قوى من أمل الفقيه العجوز. ولربما كان يأمل بأن تستعيد بغداد هويتها السنّية. ونصائحه طوال الكتاب تعكس رأيه في السلطان؛ فهو "وثّاب بقدرته، متحكم بسلطته، يميل به الهوى فيقطع بالظن، ويؤاخذ بالارتياب، فالثقة به عجزٌ، والاسترسال معه خطر"[44]. هذا النوع من الكتب الإرشادية يمكن أن يكشف لنا بعض تفاصيل التاريخ؛ إذ تقدم لنا تصورًا عما يشغل الناس في زمنهم. فالماوردي، مثلاً، ينصح الوزير بألا يتخذ كثيرًا من الأعوان حتى يحافظ على كفاءة وزارته[45]. وينصحه كذلك بأن يشاور دومًا من يصدق له أو عليه، ويتجنب استشارة من يقصد موافقته متابعة لهوى الوزير[46].

كما أن من أهم فصول كتاب الأحكام السلطانية هو الفصل الذي يتحدث عن تعيين الأمراء في مختلف الأقاليم أو قطاعات الدولة[47]. تتمثل أهمية هذا الفصل في حرص الماوردي على تأسيس ما يسمى اليوم "الرقابة والتوازن" (checks and balances) داخل نظام الدولة. وصف الماوردي، في هذا الفصل، مسؤوليات الأمراء بطريقة استقلالية وغير مركزية. فليس على حاكم الإقليم الرجوع إلى الحكومة المركزية في جميع قراراته[48]. أما الوزير فلا يستطيع إقالة أي أمير/حاكم من منصبه حتى ولو كان الوزير نفسه من عيّنه فيه[49]. كما يذهب بأن الأمير إذا أراد زيادة رواتب جنوده فعليه أن يقدم سببًا مقنعًا بذلك، أما إذا كانت هذه الزيادة "لغير سبب[؛] لم يجز له لما فيه من استهلاك مال في غير حق"[50].

هدفنا هنا هو الإشارة إلى ما دللنا عليه من كلام الماوردي، وليس استقصاء أقواله في الموضوع. وليست قراءة الماوردي من منظور التركيز على الخليفة لا غير سوى صورة لثقافة من يقرؤونه وتصوراتهم، أكثر من كونها فحصًا لآرائه السياسية[51].

ينتقل الماوردي إلى الحديث عن الأمير المتغلب؛ أي الذي استولى على إقليم بالقوة. وهذا الجانب ليس سوى معالجة منه لواقعه المرير، وحقيقة أن البويهيين كانوا هم القوة المسيطرة حينها؛ قوة كان الماوردي يرى فيها تهديدًا على مؤسسة الخلافة وتقويضًا لها. لذا حرص على التنبيه بأن "الذي يتحفظ بتقليد المستولي من قوانين الشرع سبعة أشياء، فيشترك في التزامها الخليفة الولي والأمير المستولي ووجوبها في جهة المستولي أغلظ". يهمنا من هذه الأشياء السبعة التي عددها "حفظ منصب الإمامة في خلافة النبوة وتدبير أمور الملة"[52].

فصل آخر يتصل بما ناقشناه أعلاه، من ضرورة دراسة شاملة لطرح الماوردي السياسي، هو الفصل المتعلق بمحاربة البغاة. يفرق الماوردي بداية بين الخروج على الدولة في شكله الفردي وشكله الجماعي؛ فإذا كان أولئك الخارجون "أفرادًا متفرقين تنالهم القدرة وتمتد إليهم اليد، تركوا ولم يحاربوا وأجريت عليهم أحكام العدل فيما يجب عليهم من الحقوق والحدود"[53]. وأنهم إذا أظهروا مخالفتهم للدولة فعلى الخليفة إيضاح فساد آرائهم، وإقناعهم "ليرجعوا... إلى اعتقاد الحق وموافقة الجماعة"[54]. وقد جوّز الماوردي للدولة تعزير هؤلاء المتظاهرين بالمخالفة، شرط ألا يتجاوز هذا التعزير "إلى قتل ولا حد"[55]. أما إذا اعتزلوا متحيزين في موضع تميزوا فيه عن جماعة المسلمين، غير ممتنعين عن حق ولا خارجين عن الطاعة "[لم] يحاربوا ما أقاموا على الطاعة وتأدية الحقوق"[56]. وقد أسهب الماوردي في تعامل الدولة مع الخارجين عنها؛ مشددًا على حقوقهم ورعايتها حال القتال وبعده. فهو يؤكد في قتال الخارجين على نظام الدولة:

أن الهدف الأساس من قتالهم هو إعادتهم إلى الحق وليس قتلهم.

تحريم قتلهم وألا يساء لجريحهم.

إطلاق من أسر منهم حال انتهاء الحرب، وإذا أمن من أحدهم عدم القتال أطلق سراحه أثناء الحرب[57].

 

الماوردي والمذاهب الأخرى

لكي يتضح الطرح السياسي لدى الماوردي، علينا أن نعرّج قليلًا على رأيه فيمن يستثنى من تولي القضاء. ففي الفصل الخاص بالقضاء وتعيين القضاة، انتقد الماوردي مدرستين: من يرد حديث الآحاد ومنكري القياس[58]. أشار إلى الأولى بقوله: "فأما ولاية من لا يقول بخبر الواحد فغير جائزة؛ لأنه تارك لأصل قد اجتمعت عليه الصحابة وأكثر أحكام الشرع عنه مأخوذ"[59]. أما نفاة القياس فقد فرق الماوردي بين من "نفوه واتبعوا ظاهر النص وأخذوا بأقاويل سلفهم فيما لم يرد فيه نص وطرحوا الاجتهاد وعدلوا عن الفكر والاستنباط، فلا يجوز تقليدهم القضاء لقصورهم عن طرق الأحكام"[60]. أما القسم الثاني من نفاة القياس فهم، حسب تعبيره، الذين "اجتهدوا في الأحكام تعلقًا بفحوى الكلام ومفهوم الخطاب كأهل الظاهر"[61]. وقد بين اختلاف الآراء بخصوصهم. ما يهمنا هنا هو اعتبار الإمام الماوردي للخبرة والملكة العملية في القضاء؛ فهذا هو الباب الذي رفض منه تولية من يعتقد الآراء التي أسلفنا الحديث عنها أعلاه. ويتجلى هذا الجانب العملي في فقه الماوردي السياسي عند حديثه بأن القاضي لا ينبغي أن يلتزم بمذهبه الفقهي في أقضيته، بل يقضي بما أدى إليه اجتهاده، فجوّز للقاضي الشافعي القضاء بالمذهب الحنفي، مشيرًا بأنه إذا "أداه اجتهاده إلى الأخذ بقول أبي حنيفة عمل عليه وأخذ به"[62]. وما يلحظ هنا أن الماوردي لم يجعل القضاء بالمذهب المخالف أمرًا اعتباطيًّا؛ بل ربطه بالاجتهاد؛ "لأن التقليد فيها [الشريعة] محظور والاجتهاد فيها مستحق"[63]. من الجدير بالذكر أن الماوردي، في كتابه الأحكام السلطانية، أهمل ذكر الحنابلة في باب القضاء، وفي الكتاب بشكل غالب أيضًا، عند ذكره آراء المدارس الأخرى. يذهب حنا ميخائيل أن القاضي أبا يعلى الحنبلي وضع كتابه الأحكام السلطانية ردًّا على تجاهل الماوردي للحنابلة[64]. هل يمكن إرجاع هذا الإهمال إلى رأي الحنابلة في ولاية المتغلّب؟ فالرأي الذي ورد عند القاضي أبي يعلى الفراء، معاصر الماوردي، منسوبًا إلى الإمام أحمد "وروى عنه [الإمام أحمد بن حنبل] على أنها [الإمامة] تثبت بالقهر والغلبة، ولا تفتقر إلى العقد، فقال في رواية عبدوس بن مالك العطار: ومن ملك عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا، برًّا كان أو فاجرًا"[65]. لعلنا نفهم إهمال الماوردي للحنابلة خوفًا من أن تقدم آراؤهم هذه للبويهيين أرضية شرعية لغايتهم القصوى؛ الاستيلاء الكامل على الخلافة. فالصورة الوحيدة للتغلب التي أجازها الماوردي كانت أمرًا واقعًا أكثر منه تنظيريًّا؛ وهو استبداد أمراء بعض الأقاليم النائية بالحكم. وهو واقع ظهر منذ بدايات القرن الثالث الهجري، أما الخلافة فكان مبدأ الاختيار، والذي بدا وكأنه حلمًا مثاليًّا، هو الأساس لديه في اختيار الخليفة، يظهر ذلك في أكثر من موضوع من كتاب الماوردي الأحكام السلطانية.

 

إسهامات الماوردي السياسية في عيون الآخرين

من الكتب المعاصرة البارزة التي تناولت الفكر السياسي لدى الماوردي كان كتاب حنّا ميخائيل العقل والوحي: الماوردي وما بعده. قدم ميخائيل في هذا الكتاب دراسة مستوعبة لآراء الماوردي السياسية. ما ميز كتاب ميخائيل أنه لم يقتصر على دراسة كتب الماوردي في السياسة الشرعية، بل تناوله من خلال كتب أخرى، مثل أدب الدنيا والدين، ليدرس كيف تشكلت الرؤية السياسية لدى الأخير. نعم، تظهر إيديولوجية ميخائيل، كثوري ماركسي، في كتابه من وقت لآخر، ولكن مقاربته للموضوع كانت منسجمة وعميقة. كما أن ثمة آراء أطلقها ميخائيل تنم عن معضلة دراسة الدين، أي دين، من خارجه؛ سواء من أولئك الذين لا ينتمون إليه، أو ممن ينتمون إليه اسمًا لا غير[66]. فعلى سبيل المثال، يذهب ميخائيل إلى أن الماوردي، ومعه الإسلام، فشل في "أن يصبح مفهوم العدالة السياسية جزءًا من الشريعة"[67]. وهذه دعوى عريضة لو اقتصرت على الماوردي لكانت جديرة بالجدال في شأنها، ولكن أن تعمم على الإسلام فذلك يقتضي أن نفهم ما الذي يقصده ميخائيل بالإسلام في جملته هذه، أهو نصوص الشرع المتمثلة في الكتاب والسنة، أم اجتهادات أئمة الشريعة، أم ماذا؟ وعمومًا، ليس من اهتمامنا هنا نقاش مثل هذه الدعاوى، وإنما أردنا التمثيل لبعض الثغرات في كتاب ميخائيل. أما بخصوص الأشاعرة، فيبدو أن لدى ميخائيل صورة مشوهة عن آرائهم قادت إلى تصورات خاطئة. فحديثه عن موقع العقل عند الأشاعرة، وتقديمه للأخيرين، بخصوص مسألة العقل، في خط واحد مع الحنابلة ينم عن قصور فهم لأفكار الأشاعرة[68]، ولربما فهم أفكار الماوردي موضوع دراسته.

قدم ميخائيل في كتابه عن الماوردي فصلاً تناول فيه علاقة الوحي بالفقه وأثره فيه[69]. هذه الزاوية أراد بها ميخائيل إظهار آراء علماء المسلمين في الدولة كإرث بشري لوظيفة الوحي. أي النظرة إلى الدولة حارسة للدين، وموقع العلماء حرّاسًا لكليهما: الدين والدولة. أشار ميخائيل إلى جهود ابن المقفع في التنظير لعلاقة السياسة بالدولة، وكيف كان هذا الكاتب الطموح صاحب الدعوة المبكرة إلى تقنين الشريعة في كتاب ابن المقفع رسالة الصحابة[70]. ذكْر ميخائيل لابن المقفع، وغيره من المثقفين الفرس، هو للتركيز على مدى تعقيد المؤثرات التي شكلت رؤية الماوردي السياسية. بعبارة أخرى، ثمة دور لحضارة أخرى مهمة (الفارسية) التي بدأت في التأثير والمساهمة في الفكر الإسلامي.

يمكن فهم موقف الماوردي السياسي، وفقًا لميخائيل، من جانبين:

1-إعادة تأكيد الولاء للمثال الإسلامي في أن الخليفة قائد لهذه الأمة.

2-محاولة "إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الوضع القائم آنذاك".[71]

كما شرح ميخائيل آراء علماء المسلمين حول العدل ودلالته[72]. يعد هذا الوقوف على معنى العدل مهمًّا لفهم تطور الفكر السياسي الإسلامي والمؤثرات التي شكّلته. ومن ثمّ، أشار ميخائيل كيف شكّل مفهوم "العدل" نظرة علماء المسلمين إلى الدولة. ويرى حنّا أن الماوردي كان يعتقد "أن الكيان السياسي العادل يمكن بلوغه فقط في مجتمع أفراده عادلون"[73]. لذا يرى الماوردي في العدل "معيارًا من خارج الشريعة"، كما يفضل ميخائيل تسميته، ومن هذه النظرة لا يربط العلماء المسلمون بين كون الفرد "عادلاً" وبين ضرورة أن كونه "مسلمًا". لذلك، من الطبيعي أن نرى بعض علماء المسلمين وصفوا دولاً أو حكامًا غير مسلمين بالعدل[74].

أحد أبرز من كتب عن آراء الماوردي السياسية كان المستشرق هاملتون جب في بحث بعنوان "نظرية الماوردي في الخلافة"[75]. استهل جب بحثه بالسؤال: لمن ألف الماوردي كتابه الأحكام السلطانية؟[76]. يجزم جب بأن الكتاب ألف إما للخليفة القادر بالله أو ابنه القائم بالله[77]. وهذا تحصيل حاصل، واحتمالان لا يستدعيان كثير بحث. الجانب المهم في دراسة جب هو النظرة الجديدة التي تناول بها كتاب الماوردي دفاعًا عن هذا الفقيه الكبير. يرفض جب أن يكون الماوردي مجرد منظّر مثالي لا صلة له بالواقع، ويعتقد أنه كان فقيهًا عظيمًا بنى على آراء من سبقه ليقدم نظرية سياسية كاملة جيدة البناء[78]. لكن ثمة نقاط يمكن اختبارها في دراسة جب والاعتراض عليها. فعلى سبيل المثال، يدعي أن الفكر السياسي السني لم يكن مبنيًّا على التأمل في الكتاب والسنة، ولكنه بالأحرى مؤسس "على تفسير هذين المصدرين في ضوء التطورات الأخيرة"[79]. ما نسيه جب، خاصة وهو يقارن بين الفكر السياسي السني ومثيله عند الفرق الإسلامية الأخرى[80]، هو حقيقة أن السنة كانت غالبية حكمت المجتمع الإسلامي منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لم يكن الأمر متعلقًا بليّ النصوص لتصبح منسجمة مع الواقع، بل الحفاظ على مكانة الأغلبية (السنة). فالعيش بين ماضٍ مجيد وواقع مزرٍ، ومواجهة تحديات عديدة، ورؤية صعود الخصوم التقليديين، كل هذه حقائق ينبغي اعتبارها عند دراسة الفكر السياسي السني.

مستشرق آخر تناول إسهام الماوردي السياسي كان إرفن روزنتال في كتابه (Political Thought in Medieval Islam)[81]. لعل إحدى الملاحظات الذكية التي قدمها روزنتال بأن القوانين الإسلامية كانت نتيجة صراع بين الشريعة، كقانون إلهي، وبين "الواقع التاريخي والسياسي للإمبراطورية الإسلامية، والتي تشكلت من مكوّنات عربية -قبل الإسلام- وبيزنطية وفارسية ورومانية"[82]. ومهما بدت نظرة روزنتال مقاربة لنظرة جب، إلا أن ملاحظة الأول كانت متميزة بالإشارة إلى العناصر المتنوعة التي شكلت الخلافة الإسلامية الواسعة الأطراف أو حتى الحضارة الإسلامية نفسها. فإغفال إسهام الأمم والحضارات التي دخلت الإسلام لمجرد كونها غير عربية، وأن الإسلام مرتبط حتمًا ببيئته العربية التي نشأ فيها بداية، هو تجاهل "يستجير من الرمضاء بالنار". مع ذلك، لعل نظرة روزنتال، وجب معه، تمثل النظرة المنتشرة عن الفكر السياسي السني كفكر خضع في مسيرته للتطور والتأثر.

خاتمة

واجه الماوردي مؤسسة سياسية هشة وهرمة ومتدهورة (الخلافة)، أمسكت بأطراف عالمها الإسلامي، بشعوبه المتنوعة، لأكثر من ثلاثة قرون. شهد الفقيه الشافعي السني صعود قوة البويهيين وسيطرتهم على مؤسسة الخلافة، آتين بخصومتهم وأيديولوجيتهم المعارضة للغالبية السنية إلى أعلى مستوى. كانت أمامه تحديات ينبغي معالجتها. فآراء أهل السنة، الذين ينتمي إليهم، مبعثرة في كتب الفقه والحديث والتفسير. كان مدركًا الواقع المؤلم، حائزًا المعرفة الجديرة بتغييره، وكونه قاضيًا أفضى إلى معرفة عملية لديه.

عند دراستنا الماوردي، خاصة كتابه الأحكام السلطانية، علينا التركيز على طروحاته لجميع أقسام الخلافة، والتي وردت واضحة في كتابه: الإمامة، والإمارة، والجهاد، والحسبة.. وغيرها من أصناف الأعمال الحكومية. ولعل أبرز الأخطاء التي قد تلاحظ في كتابات عدد ممن تناول الماوردي هو التركيز على آرائه في الخلافة/الإمامة لا غير. فوق ذلك، عندما دُرست نظريته في الخلافة -كمفهوم- يتم الخلط بطريقة ما بين الخليفة والمفهوم (الخلافة) ليدرسا بشكل مربك. كما يمكن لكتاب الماوردي، الأحكام السلطانية، أن يكون بمنزلة قراءة سياسية لعصره؛ وحينها تتجاوز أهمية الكتاب مسألة الوقوف مع أو ضد ما ورد فيه من آراء إلى كونه وثيقة تاريخية تصور أزمات عصر الماوردي. أزعم، كما شرحت آنفًا، أنه ينبغي دراسة الماوردي وفهمه بطريقة أوسع وأشمل بعيدًا عن الخليفة كمنصب؛ أي دراسة آرائه عن الخلافة كمؤسسة. فآراؤه المبثوثة، في كتابه الأحكام السلطانية، عن الأمراء وقادة الجيوش والقضاة وغيرهم ينبغي أخذها بعين الاعتبار لكي نفهم نظريته السياسية الكاملة عن الدولة في الإسلام.

إن فهم السياسة في ظل دولة شمولية لطالما دار حول رأس هذه الدولة. إنها دولة "تجسّدت" في زعيمها، وزعيم يمثل الدولة بأكملها. وأثناء ممارستنا عملية الفهم، سواء كانت عن الدولة أو غيرها، فقلما ننفصل عن بيئتنا المحيطة والعوامل النفسية التي تعتلج فينا. ولطالما خدعنا أنفسنا بأننا خالون من كل المؤثرات، وكأننا نمسك أدمغتنا بأيدينا علامة على سيطرتنا الكاملة لما نفهم ونقرأ. وكأن كل السبل التي تسافر الأفكار عبرها إلينا ثم تغادر خالية من أي عقبة. وغالبًا ما ننسى كل تلك الأفكار المتراكمة، الحية منها والميتة، التي توارت في مكان ما مظلم من عقولنا. نحاول إنكار كل شيء للحفاظ، أو الوهم بأننا نحافظ، على فهمنا (الصافي). لم تكن معضلتنا مع التراث، بشكل عام، والماوردي، على وجه الخصوص، سوى صورة لكل هذه الاضطرابات في الفهم التي جعلت من الخلافة، كدولة سبقت أشكال الدولة الحديثة، وكأنها شكل من أشكال الجمهوريات أو حتى الممالك الحديثة.

 

 

 

 

[1]            هاملتون جب، دراسات في حضارة الإسلام، ترجمة: إحسان عباس ومحمد يوسف نجم ومحمود زايد، بيروت: دار العلم للملايين، 1979، ص 186.   

 

 

[2]            Rosenthal, Erwin I. J. Political Thought in Medieval Islam: An Introductory Outline. Cambridge: University Press, 1968. p.28.

ولا يخفى الأثر الاستشراقي المسيحي لمثل هذا التصور: ثنائية البابا والإمبراطور. وقد ناقش توماس أرنولد منتقدًا هذه التصورات باستفاضة في كتابه الخلافة.

 

[3]            روزنتال، المصدر السابق، ص 28 .

 

[4]            توفيق السيف، نظرية السلطة في الفقه الشيعي: ما بعد ولاية الفقيه (د. م.: د.ن.، 2014)، ص 55. متوفر على مدونة الكاتب:

http://talsaif.blogspot.com/2014/06/blog-post.html

 

[5]            المصدر السابق، ص 55 .

 

[6]            تجدر الإشارة هنا إلى كتاب أحمد الكاتب تطور الفكر السياسي الشيعي: من الشورى إلى ولاية الفقيه، بيروت: دار الجديد،  1998 .

 

[7]            صلاح الدين بسيوني رسلان، الفكر السياسي عند الماوردي، القاهرة: دار الثقافة، 1983، ص 24.

 

[8]            المصدر السابق، ص 28.

 

[9]            المصدر السابق، ص 27.

 

[10]           حنا ميخائيل، السياسة والوحي: الماوردي وما بعده، تعريب: شكري رحيّم، بيروت: دار الطليعة، 1997، ص 117.

 

[11]           جب، مصدر سابق، ص 182.

 

[12]           للاطلاع على نقاش أوفى فيما يتعلق بآراء بعض المستشرقين عن كتاب الأحكام السلطانية، راجع مقدمة رضوان السيد الممتازة لكتاب الماوردي قوانين الوزارة، مع تحفظي على بعض الآراء التي افتقدت للأدلة عليها: الماوردي، قوانين الوزارة وسياسة الملك، تحقيق ودراسة: رضوان السيد، بيروت: دار الطليعة، 1979، ص 5-114، وفي المقدمة الذكورة حديث جيد عن الحفاظ على مؤسسة الخلافة.

 

[13]           ميخائيل، مصدر سابق، فصل "ما قبل الماوردي"، ص46-52.

 

[14]           نفسه، ص 48.

 

[15]           نفسه، ص68.

 

[16]           أبو الحسن علي بن حبيب الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، تحقيق: أحمد مبارك البغدادي، الكويت: مكتبة دار ابن قتيبة، 1989، ص 3.

 

[17]           أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1950، ج2، ص 133.

 

[18]           الأحكام، ص3-4.

 

[19]           السابق، ص4.

 

[20]           السابق، ص4، والتأكيد من عندي.

 

[21]           السابق، ص4.

 

[22]           السابق، ص5. واستدل الماوردي على شرط القرشية بأن أبا بكر الصديق استدل بحديث "الأئمة من قريش" في نقاش السقيفة. وهذا لا يثبت كما أشار إلى ذلك ابن حجر في فتح الباري. نبه إلى ذلك محمد المسعري في رسالته خبر السقيفة ومتعلقاتها (رسالة متوفرة على الشبكة).

 

[23]           الماوردي، الأحكام، ص8.

 

[24]           ميخائيل، ص 77-78.

 

[25]           الماوردي، الأحكام، ص8.

 

[26]           المصدر نفسه.

 

[27]           تناول عدد من الكتاب هذه النقطة، منهم عبد المجيد الصغير في كتابه الفكر الأصولي وإشكالية السلطة في الإسلام، وسعيد بنعلوي في كتابه الخطاب الأشعري، وأخيرًا وائل حلاق في كتابه الدولة المستحيلة.

 

[28]           فهمي هويدي، إيران من الداخل، القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1991، ص113.

 

[29]           تنسب إلى الإمام علي بن أبي طالب تارة (ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، بغداد: دار الكتاب العربي، 2007، ج20/ص 423)، وتارة إلى جعفر الصادق.

 

[30]           الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين، جدة: دار المنهاج، 2011، 1/155-158. وقد يفهم إخراج الإمام الغزلي للفقه من علوم الآخرة وعده من علوم الدنيا في سياق هذا الانفصال الذي أشرنا إليه أعلاه؛ أي إن الإمام أراد قطع الطريق أمام متلقي الفقه وأمام السياسيين الذي يتخذون من أهله وسيلة لحماية السلطة.

 

[31]           الإمام الغزالي، المصدر السابق، 1/155.

 

[32]           وائل حلاق، الدولة المستحيلة، ترجمة: عمرو عثمان، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014، ص 113.

 

[33]           صدر عن دار المنتخب العربي ببيروت، 1995م.

 

[34]           عبد المجيد الصغير، الفكر الأصولي، مصدر سابق، ص 48.

 

[35]           الماوردي، الأحكام، ص4. و التشديد من عندي.

 

[36]           الانتباه إلى الانفصال الذي حدث بين الحكام والعلماء في التاريخ الإسلامي، وكذلك التنبه إلى وضع الدولة ومدى ثقلها في العصور السابقة للدولة الحديثة، ينفي عن التاريخ الإسلامي الصورة القاتمة التي نشرها كثير من الكتاب اليوم؛ صورة تملأها الهزائم والدماء، وتقدم تاريخنا سلسلة لا تنتهي من الصراعات، في سردية تُغفل تركيب المجتمعات المسلمة خارج السياسة.

 

[37]           وقد ينظر إلى هذه الحركة كمحاولة لإدخال العلماء تحت سيطرة الدولة، ولكن تاريخ العلماء فيها لا يؤيد ذلك. أما من ناحية الأثر البعيد لمثل هذا التنظيم، والذي ظهر في القرون اللاحقة، فأمر آخر ليس من أهداف هذه الورقة تناوله.

 

[38]           قوانين الوزارة، ص 123-124. والتشديد من عندي.

 

[39]           السابق، ص 139.

 

[40]           السابق، ص 140.

 

[41]           ص 165 وما بعد.

 

[42]           رجح رضوان السيد في مقدمة تحقيقه للكتاب بأن هذا الوزير هو ابن المسلمة. انظر: الماوردي، قوانين الوزارة، مصدر سابق، ص 10 من مقدمة المحقق.

 

[43]           قوانين الوزارة، ص 167.

 

[44]           السابق، 168.

 

[45]           السابق، 216.

 

[46]           نص عبارة الماوردي "واعدل عن إشارة من قصد موافقتك متابعة لهواك... وعوّل على من توخى الحق لك وعليك"، قوانين، ص225.

 

[47]           "الباب الثالث: في تقليد الإمارة على البلاد"، الأحكام السلطانية، ص 40-46.

 

[48]           الأحكام، 40-41.

 

[49]           السابق، 41.

 

[50]           السابق، 42.

 

[51]           يبدو أن ثقافة الزعيم الأوحد، عنوان مرحلتنا العربية المعاصرة، تسيطر حتى على أولئك الذين يريدون هدمها.

 

[52]           الأحكام، ص 45. والتشديد من عندي.

 

[53]           الأحكام، ص 79، والتشديد من عندي.

 

[54]           المرجع نفسه.

 

[55]           السابق.

 

[56]           نفسه. وقد سقطت "لم" من طبعة الدكتور أحمد مبارك البغدادي التي اعتمدنا عليها في هذا البحث، والعبارة لا تستقيم إلا بإضافتها، وانظر الطبعة التي أخرجها أحمد جاد من الأحكام السلطانية، القاهرة: دار الحديث، 2006، ص 100.

 

[57]           الأحكام، 80-81.

 

[58]           السابق، 91.

 

[59]           المرجع نفسه.

 

[60]           السابق، ص 90. والتشديد من عندي.

 

[61]           السابق، 91.

 

[62]           نفسه.

 

[63]           الأحكام، ص91.

 

[64]           ميخائيل، ص 142.

 

[65]           أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء، الأحكام السلطانية، تحقيق: محمد حامد الفقي، بيروت: دار الكتب العلمية، 2000، ص23.

 

[66]           لكاتب هذه الورقة رأي في دراسة الأديان من غير أبنائها؛ فالدين ليس مجرد معلومات مرصوصة أو بيانات محايدة كما نجدها في بعض العلوم، إذ إن جزءا من الدين ممارسة وتجربة ذاتية أو جمعية، وهذا أمر لا يدرك بمجرد القراءة. وليس المجال هنا للتفصيل في هذه الإشكالية.

 

[67]           ميخائيل، ص 42.

 

[68]           ميخائيل، ص 51-52. وفي الموضع نفسه خلط غريب بين الأشاعرة كمدرسة عقدية والمذاهب الفقهية. ولعل عذر ميخائيل هو اعتماده على دراسة الراحل جورج مقدسي عن الأشاعرة المليئة بأخطاء من الغرابة أن تصدر عن باحث وعلامة كبير مثل مقدسي. مثل أن الأشاعرة اتخذوا من المذهب الشافعية وسيلة لنشر أفكارهم! وقد ترجم أنيس مورو البحث مؤخرًا وصدر عن مركز نماء، بيروت، 2018.

 

[69]           ميخائيل، ص 64-72.

 

[70]           ميخائيل، 66.

 

[71]           ميخائيل، ص 114-115. والقصد بالمثال الإسلامي إصرار الماوردي، وغيره، على تصوير الخلافة الراشدة مثالاً يحتذى به في الحكم.

 

[72]           ميخائيل، 91-100.

 

[73]           ميخائيل، 92.

 

[74]           ميخائيل، ص 92-93.

 

[75]           نشر في: هاملتون جب، دراسات في حضارة الإسلام، ، مصدر سابق، ص 198-218.

 

[76]           جب،  ص199.

 

[77]           السابق، ص200.

 

[78]           السابق، ص 201.

 

[79]           السابق، ص 203. وسيردد كثير من الكتاب هذا الرأي، آخرهم الدكتور محمد المختار الشنقيطي في كتابه الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية.

 

[80]           يعود الفضل لأستاذنا سعيد خان الذي طالما ركز على هذه الحقيقة التاريخية.

 

[81]           Rosenthal, Erwin I. J. Political Thought in Medieval Islam: An Introductory Outline. Cambridge: University Press, 1968.

 

[82]           السابق، ص 33.

 

شارك :

التعليقات (0)

أضف تعليق