الطريق إلى فلسطين

طباعة 2019-06-27
الطريق إلى فلسطين

أفكار مؤسسة

استعادة فلسطين إحدى المسلمات التي نتعامل بها مع الحاضر، وهي رؤيتنا للمستقبل. هذه القناعة يجب أن تظل راسخة في عقل كل فلسطيني، فهي عقيدة يلزم الإسلام بتخليدها تعظيمًا لقبلة المسلمين الأولى. كما إنها قناعة إنسانية لا تنسى بالتقادم، ويجب حشد الحقائق والمشاعر الإنسانية دومًا حولها. فقد مورس على الفلسطينيين أقسى إرهاب بشريّ مستمر ومحمي في القرنين العشرين والحادي والعشرين، والإرهاب والترويع قائم ليل نهار لاستئصالهم واستئصال قضيتهم. وقد قتل منهم عشرات الآلاف، وأجبر الباقون على الخروج، ممّا يثبت دائمًا أن هناك شعبًا يمارس ضده أقسى الإرهاب الوحشي المسكوت عنه، بل المؤيَّد عالميًّا لأسباب دينية وسياسية وعنصرية، تكفيرًا عن مذابح مسيحية لليهود في أوروبا؛ إذ يجب على الفلسطينيين أن يدفعوا ثمن المذابح النصرانية ضد اليهود، وأن يقع عليهم الإرهاب والمذابح كما حصل لليهود، أو لأن أوروبا وأمريكا تريدان تنظيفًا عرقيًّا لبلادهما من اليهود، فتدفع بهم إلى مستعمراتها في بلاد عربية، وتقهر اليوم المحميات والأتباع الدكتاتوريين بقبول قرار ورغبة أوروبية في الخلاص من آثامها التاريخية البعيدة أيام الحارات اليهودية «الجيتوات»، والمذابح الأخيرة في الحرب العالمية الثانية؛ فيقيمون للفلسطينيين حرب إبادة «هولوكوست»، كما نفذوا في أرضهم «مذابح اليهود». كل هذه المحاولات والتزوير والتهجير وهدم البيوت وتدمير الحياة يجب أن لا تغير حقيقة أن هناك شعبًا يقهر ويباد ليغادر أرضه.

 

"مورس على الفلسطينيين أقسى إرهاب بشريّ مستمر ومحمي في القرنين العشرين والحادي والعشرين، والإرهاب والترويع قائم ليل نهار لاستئصالهم واستئصال قضيتهم."

 

التاريخ

يبلغ عدد الفلسطينيين في العالم (13.05) مليونًا، منهم (4.9) في فلسطين المحتلة، و(1.57) مليون في الأراضي المحتلة عام 1948، و(5.85) مليون في الدول العربية، و(717) ألفًا في دول أجنبية[1]. أما عنالوجود الصهيوني في فلسطين فهو وجود استعماري كأي حملة صليبية عبرت بالقدس والأراضي الشامية، تمت بهذه الطريقة وبالظروف نفسها، وهكذا نفهمها ويجب أن تفهمها الأجيال القادمة.  ولهذا فإن توعية العالم في بلداننا وخارجها بالنصوص التاريخية العربية والمعارك والأحداث التي وقعت في فلسطين من التاريخ العربي الإسلامي والتاريخ الصليبي كما كتبه الصليبيون ضرورية. وكذا إحياء أسماء الشخصيات الإسلامية وإبقاؤها من أي عرق كانت، تلك التي قاتلت والتي عاشت في فلسطين، أو مرت بها فاتحة أو مستقرة أو زائرة، أو كان لها أي صلة بتلك الأرض مهمٌّ جدًّا. وكذا الاهتمام بأسماء الوقائع والمواقع العربية وكتابتها بالاسم نفسه، وإن أمكن بالحرف العربي حتى في نصوص وكتب غير عربية؛ ليكون أكثر تخليدًا وتعريفًا وربطًا للمستقبل بالماضي. فالتاريخ كائن يمكن أن يبعث حيًّا مؤثرًا في القلوب والعقول، فإذا كان الصهاينة – باعترافهم -صنعوا أكذوبة مذبحة ماسادا الرومانية لصناعة تاريخ يربط عرقهم بفلسطين، ويصطنع تاريخًا بطوليًّا لم يحدث[2]، فكيف بنا نتجاهل الحقائق التي يعيش أهلها، ونتركها للموت والنسيان؟

 

"الوجود الصهيوني في فلسطين فهو وجود استعماري كأي حملة صليبية عبرت بالقدس والأراضي الشامية، تمت بهذه الطريقة وبالظروف نفسها، وهكذا نفهمها ويجب أن تفهمها الأجيال القادمة."

 

الدين

فلسطين ضاربة في أعماق الديانات الثلاث، ولذا فاعتراف الفلسطينيين بوجود يهود ومسيحيين وأغلبية مسلمة تلك هي حقيقة البلاد في تاريخها، وما يجب أن يراعيه مستقبلها العربي الإسلامي، فاليهود السابقون على القومية الصهيونية، ومن بقي من المسيحيين، حقهم كحق المسلمين في البقاء لمن بقي وعودة من أجلي قسرًا عنها.

 

الواقع

ثمة اختلاف بين الأحزاب والفصائل الفلسطينية أو معها، وهذا أمر لا يجوز أن ينعكس سلبًا على القضية الفلسطينية، فهي قضيتنا نحن المجاورين، وقضية كل مسلم، وقضية كل إنسان لديه مشاعر إنسانية وكرامة للإنسان. وقد رأينا آثار السماح للإرهاب الصهيوني بالتمدد في تأييد الإرهاب الحكومي المعادي للشعوب في حكومات غير شرعية، تستمد مشروعيتها من إرهابها لضحاياها الذين يسمونهم مواطنين، وإن كانت تعاملهم بالقتل والحرق والاغتيال والسجون، إذا فكروا في أن يكون لهم حق إنساني أجمع عليه العالم وهو حق المواطنة.

ورأينا الإرهاب الصهيوني في فلسطين ينسجم ويؤيد ويحرس كل إرهاب ضدّ من يفترى عليه بتسميته مواطنًا عربيًّا أو مسلمًا في بلده، وهو لا يحصل على أي حقٍّ من حقوق المواطنة. ولهذا فإن حماية أنفسنا من التماسك الإرهابي بين الإرهاب الحكومي العربي والإرهاب الصهيوني يلزمنا بدوام الإنكار والمواجهة، والحثّ على إنهاء هذه الجريمة النازية النازفة في فلسطين.

ولعل تقرير «بعثة البرلمان الدولي للكتّاب» المؤلفة من راسل بانكس (الولايات المتحدة)، وباي داو (الصين)، وبرايتن برايتنباخ (جنوب إفريقيا)، وفينسانزو كونسولو (إيطاليا)، وخوان غويتزيلو (إسبانيا)، وجوزي ساراماغو (البرتغال)، ووول سوينكا (نيجيريا)، وكريستيان سالمون -ومنهم عدد من الحاصلين على جائزة نوبل- الذين قاموا بزيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة ما بين (24) و(29) آذار/ مارس 2002[3]، بعد أن قام الاحتلال في نحو عشرة أشهر باغتيال (49) فلسطينيًّا دون مواجهات آنذاك[4]، حمل صورة مروّعة لما بلغ به الحال آنذاك قبل قرابة (17) عامًا. ولم يزدَد الأمر إلا إرهابًا وتدميرًا وسوءًا، وإن كانت قد قامت مؤخرًا منظمات عالمية مؤثرة من ذوي المشاعر الإنسانية تكشف جرائم الاحتلال وعار مؤيديه.

 

"رأينا آثار السماح للإرهاب الصهيوني بالتمدد في تأييد الإرهاب الحكومي المعادي للشعوب في حكومات غير شرعية، تستمد مشروعيتها من إرهابها لضحاياها الذين يسمونهم مواطنين"

 

التثقيف العالمي

حين نتحدث عن النازية الثانية فنحن لا نصطنع تهويلاً إعلاميًّا، بل الحقيقة المشهودة منذ نحو قرن تتابع أمام أعيننا، فمن وازن الوجود السكاني والحدود للنفوذ الفلسطيني منذ عام 1917 إلى عام 2017 يرى مسيرة نازية بطيئة ومستمرة، نفذت أسوأ إرهاب، وأقرت أبشع قرارات غير إنسانية في فلسطين، وضد الفلسطينيين: إفناء الناس أو تهجيرهم، ونهب الأرض وتدمير ما عليها وما تحتها من شواهد التاريخ. وكان من عجيب أفعال النازيين الجدد سياستهم في غزة، بحيث يدخل من المعيشة قدرٌ لا يكفي غذاءً تصلح به الحياة، ولا يموتون جوعًا فتحدث لنازيتهم فضيحة عالمية، بل يحافظون عليهم فقراء خائفين محاصرين، يفضلون الهروب من هذا الجحيم بأي وسيلة.

وسبيل التثقيف العالمي بهذا يستوجب جهودًا جادة مستمرة وصادقة، تستفيد من منابر عالمية ومجتمعات وحكومات تأثيرها في العالم أكثر من غيرها، بسبب قوتها أو فعاليتها أو مواقعها أو نهوض سكانها، أو دورها الإعلامي[5] والسياسي؛ إذمن المهم وجود حضور سياسي وإعلامي فيها للقضية الفلسطينية، ووجود مؤسسات تثقف وتعرف الناس ولا تتهاون في ذلك تحت أي ظرف، والحرص على المهارة الإعلامية، والوجود في مفاصل الإعلام والاقتصاد للحكومات القوية. وقد قصّر العرب والفلسطينيون في هذا، خاصة في الغرب، حيث تجد المهندس والطبيب والمهني العربي والمسلم في كل مكان، ولا تجد الإعلامي ولا السياسي، ويقلّ الأكاديمي والتاجر، أو قد تجد بعضهم ولكنهم منغمسون في أمور ثانوية، وأنانية مفرطة، أو غفلة مهلكة، أو تملق وخوف يطبع جيل المهاجرين خاصة. فالتثقيف العالمي يعني وصول المثقفين إلى كل المؤسسات المؤثرة، وامتلاك وسائل ذلك، من حضور ثقافيّ وسياسيّ وفكريّ وتاريخيّ غنيّ بالمصادر والمعلومات.

 

التثقيف العربي

تعتمد الدول العربية برنامجًا ملزم المضمون وليس ملزم الشكل، فالمضمون يتضح فيه للطلاب عروبة فلسطين وغالبيتها الإسلامية، وما حدث فيها من جولات احتلال منذ الحملات الصليبية في العصور الوسطى الأوروبية إلى التحرير، ثم العودة الصليبية البريطانية في نهاية العصر العثماني، وتسليم البلاد إلى حملة استعمارية أخرى بواجهة يهودية، وحقيقة كونها قاعدة عسكرية صليبية للغربيين في قلب العالم الإسلامي. ومن شواهد حماية هذه القلعة وتأييدهم المستمر لها التمويل العسكري المجاني الذي لا يعرف منة ولا تقصيرًا، بل المشاركة المسيحية الغربية لليهود في صناعة الأسلحة. ولعل أبرز الأمثلة وأشنعها الجسر الأمريكي من السلاح عام (73)، ثم التمويل الألماني المجاني، ثم نظام القبة الحديدية الذي يخوّل اليهود قتل الفلسطينيين العزل، ويمنعهم من أن يمسوا القاتل المعتدي المستعمر لبلادهم، والمعترف دوليًّا به كمحتل، ومع ذلك يجزر في أيام (1400) طفل وامرأة في العراء في سجن غزة، ولا يتحرك العالم الغربي للدفاع أو الكلام. وقد اعترف من قبل بيريز أنه لو كان الإعلام الموجود الآن موجودًا قديمًا لما تمكنوا من إقامة حكومتهم على أرض فلسطين، فهو يعلم أن أساس إقامة الحكومة طرد السكان وقتلهم، وإحلال محتلين من أوروبا وأمريكا في هذه المنطقة.

 

التثقيف الإسلامي

مليار ونصف من البشر صوتهم مرعب لمن يخالفهم، وفلسطين في القلب موقعًا ودينًا وتاريخًا، ولكنهم مهملون وغائبون، وعندما يحضرون في قضية أو هدف فإن تأثيرهم يقلب موازين الثقافات المضادة. إننا نتحدث عن مأساة شعب، ولو من غير ديننا، فكيف تنسى هذه الأمة الهائلة في الكون ما تراه من رعب وقتل وقهر لمن يشاركونهم الأخوة الدينية والثقافة والوعي التاريخي؟ كيف ينسون أرضهم وأمتهم ودينهم ويقبلون بإرهاب دائم مصبوب على رؤوس إخوانهم المستضعفين؟ إنها مشكلة معرفة وتوعية وتواصل وتأسيس لمؤسسات ضعيفة متناثرة في الآفاق تنهي هذه النازية الثانية، لينعم بأرضها وتاريخها مهاجر يبحث عن ترقية لحياته على دم الضعفاء وتاريخهم وأرضهم؛ لأنهم لم يكونوا قادرين على قتال الجيوش التي قدمت من أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وكان بعضها مدربًا تدريبًا عاليًا، بينما الفلسطينيون شعب آمن مسالم في بيوته ومزارعه وأرضه، قهره البريطانيون بالاحتلال، ثم لأسباب صهيونية ودينية لدى بلفور، وبسبب دور في الحربين العالميتين الأولى والثانية والوكالة اليهودية وجدوا أرضهم منهوبة، ورجالهم يقتلون ويغتالون، وبيوتهم تهدم على رؤوسهم بقوة الإمبراطورية البريطانية ثم الأمريكية، التي أحسنت العصابة الصهيونية استغلالها، وتبني لدعم إرهابها مستقبلاً بقوة الهند والصين والأمم الصاعدة. ولعل من أمثلة ذلك إقامة قرية تعلم اللغة الصينية لأطفال الصهاينة في فلسطين لبناء علاقات مستقبلية، وشهود تنصيب رئيس يميني متطرف في البرازيل، ووعده بنقل السفارة البرازيلية إلى القدس بعد هيمنة الصهاينة المتطرفين على القرار في البيت الأبيض، ونقلهم السفارة الأمريكية إلى القدس في 2018. غير أن الحقيقة القادمة تشير إلى التخلي التدريجي للإمبراطورية الأمريكية عن دورها في المنطقة. كما إن الشباب اليهودي في أمريكا لا يؤيد التطرف الصهيوني، وهو موقف ينمو خاصة لدى جماعة الضغط الشابة المدعوة «جاي ستريت» (J Street)، وتصاعد دور المقاطعة النشطة التي يختصر اسمها بـ(BDS) أيضًا. ومعنى هذا مرحلة جديدة للبحث عن قوى معتدلة ومناصرة، وعن إقناع منظم للعالم بعد ترسيخ النفس وإقناعها بمشروعية الموقف والعمل له.

 

 

التثقيف الفلسطيني

أقام الفلسطينيون مؤسسات سياسية وثقافية ترعى جوانب من القضية، ويجب إيجاد التنسيق والمزيد منها: حصر العائلات المهاجرة المطرودة في العالم، ومعرفة أعدادهم وأسمائهم، وكتابة سجلات النسب كاملة لهم، وتقوية الروابط عبر القارات والمدن والدول، واستخدام تقنية العصر الحديث في أشجار النسب، ومعرفة البنين والبنات، وفروع هذه العائلات وأصولها وعلاقاتها بمن يتصل بها من فلسطينيين ومن غيرهم، وربط العائلات بالمدن والقرى التي هجّروا أو هاجروا منها، ومتى وأين يعيشون في بلدان العالم، ووضع الخرائط واستخدام الميسور منها وتجديد القديم، وحفظ الآثار والصور في أرشيفات متعددة ومواقع متنوعة، والتنسيق بين هذه المعلومات وحفظها بطرق متعددة، وليس بأسلوب تقني واحد، وإقامة المتاحف التي تؤرخ للمأساة وتوثقها، وتتبادل هذه المتاحف نسخًا من جميع ما تملك من وثائق.

ومن الطريف أنه في سبيل ترسيخ الوجود الصهيوني في فلسطين، فقد أسسوا أكبر عدد من المتاحف نسبة إلى السكان في العالم (ما يزيد على مئتي متحف)، منها أربعون متحفًا معترفٌ بها رسميًّا، والبقية غير رسمية، ومنها قرابة سبعين متحفًا في القدس نفسها[6]، أولها أقيم عام 1906، وما زالت تتوالى، وأكثرها متاحف هواة وأكاذيب ومستغلين للحج المسيحي وللمهاويس باعترافهم دون أساس، متاحف تمتلئ بتواريخ يهودية ومسيحية وأساطير مبتدعة باعتراف مؤرخيهم، كالمؤرخين الجدد الذين أقرفتهم تلك الخرافات التي بلا أي سند، لكن هذه الأكاذيب تبنى ويبالغ فيها لتهدم التاريخ العربي الإسلامي لفلسطين، وتحول دون أي اعتراف مستقبلي بها[7].

 

يجب أن تقام المتاحف الفلسطينية في كل مكان توجد فيه جالية فلسطينية، حتى لو كان بيتًا مستأجرًا أو معرضًا متنقلاً، وتعتمد هذه المؤسسات من قبل أمناء عارفين ومهتمين بالتاريخ والأنساب والآثار والفلكلور والملابس والطعام، وتسجيل العادات واللهجات والأعراف وتوثيقها، لتوفر للناس معلومات عن أسرهم وأنسابهم، وتجمع ما تيسّر من الصور والوثائق قبل ضياعها، وتسهل تصوير ذلك وتوزيعه دائمًا، وبشتى الوسائل؛ لتخليد خطاب العودة إلى لبلاد مهما طال إرهاب المحتلين.

كذلك فإن المعلومات التاريخية والجغرافية مواد معرفية مهمة لكل فلسطيني، ويجب عدم التهاون في تدريسها، وجلاء الأصول العربية للسكان من زمن الكنعانيين وعصور ما قبل الإسلام إلى آخر أعمال التطهير العرقي التي تحدث الآن.

ينبغي أيضًا التعريف بقيادات الجهاد في فلسطين عبر العصور، وتجاوز ثقافة الرضوخ والذل التي خضعت لها الثقافة العربية والإسلامية، فقد كان الفلسطينيون إلى الثمانينيات يجاهرون ويعملون جميعًا تحت رايات الجهاد من أجل استعادة فلسطين، واليوم أصبح فريق صغير يحمل الاسم نفسه، وكأن الجهاد من أجل فلسطين أصبح عيبًا وعارًا، بينما هو خط ممتدّ في مقابلة العدوان الصليبي منذ أيام الصحابة وصلاح الدين إلى زماننا. ولهذا فالحفاظ على سجلّ للأبطال المقاتلين وتسجيل عدد ما قدمته كل بلدة من مجاهد وشهيد في تاريخها يجعل الحركة والهمة قائمة دائمًا.

 

الوحدة

وبسبب مركزية قضية فلسطين في الضمير العربي والإسلامي، فقد اعتادت الحكومات العربية أن يكون لها فصائل موالية في فلسطين، ترفع ذكرها في النضال، وتؤكد مشاركتها في الدور الضروري في فلسطين، وتؤيد مشروعيتها المحلية. ولهذا فقد تمزق الفلسطينيون أحيانًا بحسب مزاج الحكومات العربية المحيطة ومواقفها وصراعها. ولما دخلت حكومات غير عربية -كإيران وحديثًا تركيا- أصبح أيضًا من الطبيعي أن تجد رجالاً في فلسطين يميلون إليها، أو ينتظرون دعمها. ومن هنا تجد كل قوة إقليمية مشروعية تبرر توسعها الإقليمي، أو تحقق قناعتها في مشروعية النضال الفلسطيني. وهذه المنافذ والأدوار في الساحة الفلسطينية تعيد باستمرار صناعة الأفكار والولاءات في الداخل، والعلاقات والولاءات في الخارج. غير أن من المهم ملاحظة أنالحكومات العربية المجاورة لفلسطين أصبح ولاؤها للصهيونية وعداؤها للفلسطينيين ولقضيتهم، فقد وجدت هذه الحكومات من الاحتلال مفتاحًا لقلب السيد في البيت الأبيض، ووجدت أن رفع شعار فلسطين يرهقها باستمرار، ويسبب لها متاعب في الخارج بلا فوائد، وكل هذا يرهقها بمشروعية سياسية لا تريدها، فضلاً عن تراجع الروح الإسلامية لدى قوى الثورة المضادة؛ فأصبحت مشروعية هذه الحكومة بدلاً من أن تأتي من التأييد لفلسطين تأتي بالعكس من جهات معادية لفلسطين ولقضيتها.  وبمقدار ما انهزمت هذه الحكومات المرتدة عن حقوق الشعوب وحقوق فلسطين، فإن الشعوب جاءت اليوم تحامي وتؤيد وتدعم، جاءت متأخرة، ولكن مجيئها خير من عدمه في زمن أصبحت الحكومات العربية تتبنى عداءً صريحًا لفلسطين، وتخفف رسميًّا من لوم الإرهاب الصهيوني، بل بلغت التبعية ببعضهم أن يصف المقاومة الفلسطينية بالإرهابية!

وفي الجانب الفلسطيني زاد الصراع الفكري، فمنظمة فتح وبعض مكوناتها نتاج الزمن القومي البعيد، زمن الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وخصومها المقاومة الإسلامية بفصيليها الرئيسين حماس والجهاد من منتجات زمن ما بعد القومية. وقد أصبحت المقاومة القومية المؤسسة من طرف حكومات عربية تدفع برؤية الحكومات العربية وموقفها المعادي لفكرة المقاومة، وأصبحت فتح وظهرها العربي أقرب إلى رؤية الصهاينة (أو على الأقل بعض مكونات فتح)، فقد وقعت في فخّ السلام الكاذب، وقامت رسميًّا وقانونيًّا بالحماية الأمنية للاحتلال. أمّا الفكرة الإسلامية للمقاومة فهي نتاج عصر ما بعد النظام العربي القديم، وهي أقرب إلى جيل الانتفاضة والربيع العربي بعد عام 2010، ولهذا فالخلاف الفكري والصراع مصيري مع الأسف. وانعكس الصراع الحكومي العربي القريب خاصة الذي أصبح مؤيدًا في غالبه للإرهاب الصهيوني ضد المقاومة، والخلاف عام وحاسم، أو هو صراع طرفين تفصلهما مسافات فكرية وسياسية متباعدة جدًّا، أنستهم هذه الصراعات عدوهم الواقف أمامهم، والذي يزحف يوميًّا عليهم ينهب منهم كل شيء، ويصفق فرحًا بهذه الخلافات التي تمكنه أكثر من الإبادة والتهجير والقتل.

وقد عرفت الصهيونية الخلاف الشديد بين مؤسسيها في كل الجوانب، حتى في مكان تأسيس كيانهم، وهل يؤسسونه أم لا، ولكن في بعض المراحل كانت الحركة الصهيونية تحسم قراراتها بالتصويت، أو بضغط من قوى استعمارية نافذة، وأصحابها يستشعرون الكراهية والعداء والمصير والغاية أكثر من خصوماتهم، فتجاوزوا أزماتهم. أما الفلسطينيون فإنهم -إضافة إلى خلاف الرؤية- لديهم صراع مع من كانوا أولياء وتحولوا إلى أعداء، ومن كانوا مقاومين فأصبحوا مصالحين مطبّعين وحراسًا لأمن الغزاة وأصبحت المقاومة عدوًّا لهم.

ولهذا فإن نداء الوحدة والتضامن الفلسطيني رغم جماله وخطورته لا توحي الظروف بأن يستجاب له؛ ذلك أن الخلاف بين هذه الفصائل أصبح في بعض جوانبه أكثر من خلافهم مع عدوهم، والصراع يزداد بينهم وليس مع عدوهم، ويؤزّهم كارهون لهم جملة وتفصيلاً في العالم العربي، ممّن يحبون تصفية القضية الفلسطينية، والدخول تحت عباءة العبودية الصهيونية التي يتوهمونها حامية، وما هي إلا محتالة تأكلهم قطعة قطعة، بينما هؤلاء المتنفذون يهمهم قهر شعوبهم أكثر من الدفاع عن الأوطان أو مستقبلها، وضيّعوا ما تحت أيديهم، وهم لما سواه أضيَع. ورغم كل هذا، فإن وحدتهم هي المستقبل الوحيد لنجاحهم. هي الوحدة والتقارب، أو الموت السريع ونجاح المشروع الصهيوني في كلّ المنطقة.

 

"الحكومات العربية المجاورة لفلسطين أصبح ولاؤها للصهيونية وعداؤها للفلسطينيين ولقضيتهم، فقد وجدت هذه الحكومات من الاحتلال مفتاحًا لقلب السيد في البيت الأبيض"

 

هل المقاومة الفلسطينية تحرر العرب؟

رغم النكد والحرب والاحتلال في فلسطين، فإن هذه القضية أحيت في عالمنا روح مقاومة عامة بكل جوانب المقاومة، وجمعت الشعوب على هم ومصير سياسي وعسكري واحد في زمنٍ مضى. ولمّا تحولت المسألة الفلسطينية مع الإسلاميين إلى صوت إسلامي، فإنها عمقت هذه المشاعر مرة أخرى، وأحيت التضحية والحيوية والمجالدة والتصميم على الانتصار،رغم المكاسب السياسية للصهاينة التي اخترقت العقل والسلوك الحكومي العربي، لكنها أشعلت -وما زالت تشعل- الضمير الإسلامي والدولي وتجمع الأنصار. وبقاء مشعلها ومقاومتها عالية يساعد في الخروج من الخمول والبرود والصمت ونسيان الحقوق، وقد بقيت محكمة تدين كل من خانها أو قصّر فيها. وهذا الجرح النازف في قلب أمتنا شئنا أم أبينا سيكون موقظًا دائمًا إلى زمن اليقظة الشاملة.

 

مؤسسات طريق العودة

من المهم في طريق العودة إلى فلسطين إنشاء مؤسسات تحمي الوجود الثقافي للفلسطينيين وتصنع المستقبل المزمع قيامه. هذا واجب عربي وإسلامي، يجب أن يحمل إلى العالمية في شتى وجوهه، كحماية الأوقاف الموجودة، وإنشاء المزيد منها في كل مكان وترسيخ دورها العملي والمستقبلي، كالرعاية بشتى جوانبها التعليمية والصحية، والتواصل والتوعية السياسية واللغوية والدينية، وإنشاء هيئات وقفية إعلامية وحقوقية ومؤسسات ضغط سياسي حول العالم، ورعاية مؤسسات وأقسام جامعية تختص بدراسة حال فلسطين ومستقبلها وأزمتها المستمرة، والتذكير بجرائم الاحتلال، ودعم وصول الأذكياء والنجباء والمؤثرين إلى مواقع ثقافية وإعلامية إنسانية وسياسية، والتدريب المستمرّ للرقي بالأعضاء الذين ستكون بيدهم صناعة المستقبل، وتشجيع العمل الاقتصادي للخلاص من فقر المؤسسات. فبينما تجد فلسطين صعوبة في توفير الطعام والعلاج والتعليم للاجئين، نجد أن مؤسسة مثل أيباك (AIPAC) كان تحت يدها أكثر من ستة مليارات دولار، وتسخر من أي رجل كونجرس لا يمشي معها بأن تسقطه (يزعم أحد متنفذيها أنه لو أراد لجمع توقيعات أكثر من خمسين عضو كونجرس على منديل الطعام الذي كان بيده في المطعم).

 

أوقاف لصنع المستقبل

من المهم تأسيس وقف عابر للقارات لحماية الفلسطينيين، هدفه الدفاع عن المظلومين وحماية حقوقهم بوصفهم ضحايا الاحتلال؛ ليكون عونًا مستمرًّا لكل عمل تعليمي وإعلامي وتربوي وتدريبي، لاستعادة البلاد ورفع المظالم عنها. ففي بلدان الاحتلال الغربي تقوم أوقاف لرعاية الجيش الصهيوني المحتل القاتل، فكيف بالضحايا، ضحايا إرهاب الاحتلال والغزو الصليبي الصهيوني المعاصر؟ إنهم أولى بأن يواجه عدوانهم وإرهابهم. لذلك ينبغي أن ترسخ ثقافة وقف الحماية ووقف التربية ووقف التعليم، بحيث لا يفكر أحد في التقليل من أهميتها أو الطعن في شرعيتها، بل يجب أن تصان وتقدس أهدافها، ويحاكم من يعتدي عليها بأي شكل من أشكال العدوان كالسرقة أو منع الممارسة، ويشوّه كل من تسول له نفسه التقصير في وصول هذه الأوقاف إلى غاياتها.

 

أوقاف استعادة الحقوق وتثبيتها

ينبغي كذلك أن تقوم مؤسسة لتوثق مواقع البيوت والبساتين وكلّ الأملاك المسلوبة من الفلسطينيين، وتثبت هذه المواقع بكل الطرق وكل أسس التوثيق، ويرصد مال للتعريف بها وبأهلها وبطرق وصولهم لأملاكهم المغتصبة واستعادتها، سواء مسحت هذه المواقع والبيوت أو بقيت شواهد على وجودها، والاستفادة من الوسائل الحديثة لتحديد المواقع التاريخية والعائلات.

 

الحكومة الفلسطينية القادمة

من المهم صياغة رؤية للحكومة الفلسطينية القادمة وجلاء تخيلها في عقول أصحابها، فالمتخيّل كلما كان حاضرًا في الذهن كان أقرب إلى الوقوع من حال غياب التصوّر. حكومة واحدة لكل السكان، لا تفريق في الأرض، ولا في الحكومة الواحدة، بأحزاب لا تعتمد العنصر أو الدين، بل التصويت الفردي في إدارة المدن والبلدات وفي انتخاب الرئيس والبرلمان. ويمكن الاستفادة من نظام حكومة الاحتلال الصهيوني في الإدارة وليس في التجربة العنصرية. حكومة لغتها العربية، بها تكتب وثائقها وبها التداول في مؤسساتها الكبرى ومحاكمها، تسمح للأقليات بأن يتحدثوا بأي لغة أرادوا، وتسمح بالتعلم الخاص الذي لا يجني على الوحدة والولاء المستقبلي، فهي اللغة السائدة للأغلبية وفي المحيط العربي.

 

مواجهة الخوف وترقب المجهول

ومن أولويات الفلسطينيين مواجهة ثقافة الهزيمة التي يحرص الاحتلال على ترسيخها بكلّ وسيلة؛ لأن ثقافة الهزيمة والخوف تقنع صاحبها بالنقص، ومن ثمّ التنازل المستمر في مقابل الإرهابي الغازي، وفي مقابل المستقر الآخر، أو تجعله ينحو نحو الاندفاع والتطرف غير المتزن في مواقفه، وهذا يضيع عليه القدرة على الاستمرار، بينما الحالة رغم سوئها ترشح الفلسطيني لممارسة دور حضاري هائل، فقد كان للفلسطينيين أثر تعليمي هائل في العالم العربي، وهم الشعب العربي الوحيد الذي اختفت بين أفراده الأمية، وبإمكانه أن يعيد بناء الأهداف وطرق الوصول الحضارية لما يريد.

 

 

[1] بي بي سي (BBC) البريطانية، تغريدة على حساب الموقع، في: 13/12/2018. وقريب من هذا الرقم أيضًا، (13) مليونًا، منشور في موقع قناة الجزيرة تحت عنوان: «أعداد الفلسطينيين ستتجاوز اليهود هذا العام»، في: 9/1/2018. ونشر موقع الجزيرة مقالاً آخر بعنوان: «آخر تعداد فلسطيني والأرقام تفزع إسرائيل»، في: 29/3/2018. والملاحظ أن نسبة الأطفال ما دون (18) عامًا تبلغ (47%)، بينما عدد من زادت أعمارهم عن (60) عامًا بلغ (5%) فقط.

[2] ممّن كتب عن أكذوبة موقعة ماسادا، حيث يقوم الخريجون العسكريون الصهاينة بتقديم القسم للوفاء للإرهاب الصهيوني في فلسطين، أهمُّ مؤرخ صهيوني برنارد لويس في كتابه التاريخ، مُستعادًا ومُتذكرًا ومُخترعًا (History - Remembered, Recovered, Invented).

[3] كريستيان سالمون، «فلسطين: تدمير الأراضي»، لوموند ديبلوماتيك (Le Monde diplomatique)، عدد شهر مايو (5) عام 2002.

[4]«قائمة بأسماء الفلسطينيين الذين اغتالهم جنود الاحتلال والمستوطنون»، الجزيرة نت، 10/8/2001.

[5]  نشرت ويكيليكس وثائق أظهرت أن مفاوضات حصلت بين قطر وحسني مبارك على أن يخفف حسني من حصار غزة مقابل أن تخفف الجزيرة حملتها الإعلامية عليه. وسبق أن ذكر شمعون بيريز في إحدى المقابلات معه أنه لو كان في العالم إعلام وقت تأسيسهم لكيانهم الصهيوني كالإعلام الموجود الآن لما استطاعوا ذلك.

 [6]انظر في ذلك مثلاً: المجمع المتحفي في القدس، المقام على (80) دونمًا.

[7] انظر مقال: «متاحف في إسرائيل»، موقع مدار، في:https://goo.gl/g1behU

شارك :

التعليقات (1)

أضف تعليق