النخب المفكرة والحركات الإسلامية المعاصرة

طباعة 2018-04-22
النخب المفكرة والحركات الإسلامية المعاصرة

تعد الظاهرة النخبوية من الظواهر الملازمة لكل التجمعات البشرية والتنظيمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية، كيفما كان مستوى تطورها الثقافي والحضاري، فلا أحد يجادل في وجود أقلية فاعلة لها صفات قيادية وكاريزمية مميزة ومواقع معينة، تمكنها من النهوض بوظائف عدة كالتوجيه والتدبير والنقد والتأثير والتجديد، سواء بالنسبة للمجتمع والدولة والحركات الاجتماعية والتنظيمات السياسية.

وتعد مقاربة النخبة وما لحقها من تطورات منهجية ومعرفية من أهم المقاربات في العلوم الاجتماعية والسياسية، التي مازالت تحتفظ براهنية كبيرة في تفكيك الظواهر السياسية وفهم تجارب الانتقال السياسي وتحليل بنية التنظيمات الاجتماعية، حيث تنطلق الأبحاث المنحازة لهذه المقاربة في دراسة البناء الاجتماعي العام من النخبة بوصفها أداة تحليلية لدراسة الأقليات الحاكمة والنخب السياسية أساسًا وعلاقتها بالأغلبية المحكومة.

كما تعد النخبة الفكرية فئة اجتماعية تتحدد من خلال مكانتها العلمية وطبيعة تكوينها الأكاديمي ومستواها الفكري وقدرتها النقدية وخطابها المنهجي وتأثيرها الثقافي، إذ تتميز بامتلاك سلطة المعرفة وخلق تحري الصدق وعشق الحقيقة، واستعمال المناهج العلمية في دراسة الظواهر وتحليل التحولات وإدراك المآلات واستشراف الآفاق، وهو ما يمنحها هامشًا مقدرًا من الاستقلالية، ويوفر لها فرصة إنتاج القيم الرمزية وإعادة إنتاجها من خلال ما راكمته من رأسمال معرفي ورمزي.

يمكن النظر إلى نخبة الفكر أو النخب المفكرة بمثابة الأقلية الاستراتيجية النشيطة والفاعلة التي تشتغل على إنتاج الأفكار، وتسعى إلى التأثير في تيارات المجتمع وثقافته والمساءلة النقدية للسلطة وخلق دينامية في الفضاء العام، بل حتى في نسق النخب ذاتها، فعبر امتلاكها سلطة المعرفة وانشغالها بالعمل الفكري يقع الاشتباك بين الفكري والسياسي من خلال خطاب نقدي لمنظومة السلطة والثروة والقيم والمعرفة، أو اختيار المنطق التبريري للمحافظة على هذه الأنساق السائدة خادمة للجمود والرتابة والتقليد.

لا يمكن إدراك أدوار النخب الفكرية وموقعها ووظائفها إلا من خلال فهم طبيعة النسق التنظيمي والاجتماعي والسياسي والثقافي الذي تشتغل فيه، والديناميات التي تتفاعل معها، مع استحضار استراتيجيات باقي الفاعلين والنخب في الفضاء العام والحركات الاجتماعية والتنظيمات السياسية، وعلاقة ذلك بالمجالات المدنية والثقافية والسياسية ومدى تطورها وقدراتها على التغيير والاستمرارية؛ ولذلك نسعى في هذا المقال إلى دراسة النخب الفكرية داخل التنظيمات الإسلامية بوصفها فاعلاً يتميز برأسمال علمي ورمزي يؤهلها للتأثير وتوجيه الرأي العام داخل الحركات الاجتماعية والهوياتية والجماهيرية، وما يلحق ذلك من أنماط تفاعل النخب الإدارية والدينية والفكرية والسياسية داخل النسق الحركي الإسلامي، حيث ينعكس في ضوء ذلك سؤال العلاقة بين التحول الفكري والتحول التنظيمي، وتطرح معه طبيعة العلاقة بين المجال الفكري والمجال السياسي، ومدى تأثير العامل الفكري على مسار التحولات التنظيمية ومراجعات الكسب التصوري، ومستويات إحداث التغيير في بنية التنظيمات، استنادًا إلى مواقع النخب المفكرة وطبيعة اختياراتها وخطابها وقدرتها على التأثير في صناعة القرار وتوجيهه.

بين منطق التنظيم ومطلب التجديد

تثير علاقة النخب المفكرة بالتنظيمات عمومًا وبالتنظيمات الإسلامية خصوصًا إشكال الموقع والوظيفة والتأثير؛ ذلك أن تطلعات هذه النخب في التغيير والنهضة قد تتقاطع مع حركات الإصلاح الإسلامي في المشروع العام، لكن قد يقع الانفصال والاستبعاد نظرًا لطبيعة منهج كل واحد منهما في رؤيته للعملية التغييرية، وتقدير أولويات المرحلة وآفاق التغيير ومستوياته ومرتكزاته، وطرق تنظيمه وحركته في الأمة والمجتمع والدولة، وكذا وتيرة التغير والتجدد.

قد تكون النخب المفكرة جزءًا أصيلاً وفاعلاً في حركة بناء الكسب التصوري والمنهجي ومسار المراجعات الفكرية داخل التنظيمات الإسلامية، لكن قد نجدها في حالة أخرى يستفاد منها دون أن تكون مؤثرة في صناعة القرار أو تحويل المسارات الاستراتيجية للحركة الإسلامية، وربما يرجع ذلك إلى بطء مسيرة التحولات والمراجعات داخل التنظيمات التي تتميز بالبحث عن النفس الشوروي الجماعي، وتحقق الأغلبية العامة للانعطاف من خيار إلى آخر، بالإضافة إلى ضرورة احترام منطق المساطر والإجراءات والقوانين التنظيمية التي ينبغي الاحتكام إليها ومراعاتها عندما يتم إعادة تأسيس الاختيارات أو مراجعتها الجذرية أو الجزئية.

إن سرعة التغير عند هذه النخب ووتيرتها التجديدية تتفاوت مع منطق التنظيمات التي تتميز فيها التغيرات والمراجعات عادة بالبطء والتدرج، والحرص على الإجماع واستحضار المآل ومنطق الاستطاعة والممكن مرحليًّا، وربما يحتاج الوضع التنظيمي أحيانًا إلى حافز ذاتي يتفاعل مع تحديات البيئة الخارجية ومؤثرات الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي، حتى يتم الانتباه إلى إعادة التفكير في المسلمات والتوجهات والأفكار والمواقف.

ولعل من أخطر مظاهر الأزمة الفكرية في بعض التنظيمات الإسلامية، النظر إلى الأطروحات النقدية للنخب الفكرية بنوع من التجريح والطعن والارتياب، قد يصل إلى حد التشكيك والتخوين واعتبار الخطاب النقدي حالة من المعارضة الشاردة والشاذة المعرقلة للمبادئ النبيلة التي تحملها أفكار التنظيم الإسلامي، وربما يصل الأمر إلى خيار الطعن في المصداقية الأخلاقية والاجتماعية لأهل الفكر واتهامهم بالتشويش على مسار الأفكار التغييرية والمسلمات التنظيمية، التي ناضلت من أجل إقرارها النخب القيادية السابقة التي تتسم بالصدق وتتحلى بالشرعية التاريخية والنضالية، بالمقابل ترى النخب المفكرة بأن تأسيس المجتمعات الحية وإحياء الأفكار الخلاقة وتطوير الأطروحات التنظيمية، وتجديد الروح في الحركات الاجتماعية، حتى تظل فاعلة ومؤثرة يحتاج إلى ممارسة فضيلة النقد الذاتي بوصفه طقسًا يوميًّا ومسارًا تقويميًّا يؤشر على الاعتراف المستمر بنسبية الاجتهادات وبشريتها، ونزعًا للقداسة عن المسلمات الجاهزة للحركة الإصلاحية الإسلامية.

يمارس المثقف الإصلاحي وظيفته الأصلية في النقد وجرأته في ممارسة التجديد الفكري ومساءلة الكسب التصوري والمنهجي، واضعًا المسافة الضرورية بينه وبين انتمائه الحزبي والتنظيمي والحركي وربما المذهبي، وهنا يقع التوتر إما بينه وبين رجل "التنظيم التكنوقراطي الإداري" بوصفه حارس المشروع الإسلامي ومساطره وتاريخه وإرثه الفكري والدعوي والتنظيمي، وإما بينه وبين "المرشد الشيخ" الذي يحتكر حق التأويل الاستراتيجي للواقع وأنماط التفاعلات والعلاقات الداخلية والخارجية الناتجة عنه، وكذا أولويات التنظيم وتوجهاته التغييرية والفكرية والدعوية والسياسية. ففيما يميل المثقف إلى بناء حس نقدي ونبض مجدد لكل مرحلة، مشيرًا إلى المتغيرات والتحديات التي تطرح إشكالات جديدة وتتطلب إجابات مركبة يتداخل فيها الفكري بالهوياتي بالسياسي ويتفاعل فيها الفلسفي بالقيمي، قد ينحاز التنظيم إلى شكل من الجمود على أطروحة "الزعيم المرشد" ونخبته التي تنال مع الزمن شكلاً من الهيبة والقداسة، ولكي تستمر خالدة في الزمان والمكان يتم إضفاء طابع خرافي سحري عليها حتى وإن استنفدت أغراضها ومقاصدها.

وربما تميل قراءة أخرى داخل التنظيم إلى نوع من الاستقرار أو المحافظة متجنبة محاولة المغامرة بالكسب الدعوي، والميل إلى شكل من التدرج في التغيير والتجديد، وإلى نوع من البحث عن الإجماع والاجتهاد الجماعي في بناء الاختيارات، بدل الانجرار إلى شكل من الفجائية والطفرة الفردية والاجتهاد الذاتي الذي يتسم به نمط النخب الفكرية.

لا يمكن إنكار الدور المركزي الذي تقوم به النخب المفكرة في خدمة المشروع الإصلاحي للحركة الإسلامية المعتدلة، وهو دون شك عمل نبيل ومهم، غير أنهم قد يتحولون دون وعي في النسق التنظيمي إلى خبراء يوظفون خبرتهم وخطابهم وفكرهم سواء في القيام بوظيفة التحريض الإيديولوجي ووظيفة البحث عن التبرير العلمي والفكري للاختيارات التنظيمية، أو في القيام بوظيفة الإسناد المعرفي واستثمار خبراتهم المنهجية والعلمية في ترشيد القرار الحركي، ويكون ذلك على حساب القيام بوظيفة "المثقف الديني العضوي النقدي"، التي تتطلب الارتفاع النسبي عن هذا الدور الوظيفي والتمييز الواعي، مع أخذ مسافة من التنظيم لتقييمه نقديًّا من منظور كلي يسائل المسلمات ويطرح الأسئلة الملحّة ويجدد ضخ دينامية فكرية في أنساقه المحافظة، فضلاً عن السعي إلى تجاوز التبريرات الفكرية والإيديولوجية القديمة التي أنتجت في مرحلة سابقة وسياق اجتماعي-تاريخي مختلف مما جعلها تستنفد وظيفتها الأصلية.

توتر العلاقة وأنماط التفاعل

ينشأ التوتر الحاد عندما تتنامى نزعات التمجيد والتقديس أو عبادة الزعيم أو حالة من التعصب التنظيمي أو التمركز حول الذات داخل التنظيمات الإسلامية، في حين تتقلص ثقافة التقدير والتجديد والاعتراف والمراجعة الممزوجة بالوعي النقدي بنسبية الاجتهادات وبشريتها، حيث يُنظر إلى نخب الفكر داخل النسق الحركي على أنها تقوم من برجها العاجي بالنقد الهدّام والمزايدة الاستعراضية على أهل التنظيم ورسالته، واصفة إياه بالفقر الفكري وانعدام فضاءات التفكير وغياب الحرية وضعف إدارة التنوع واختلاف الرأي، كما أن هذه النخب تبخس بخطابها فضيلة العمل الجماعي المنظم وضرورته الحيوية وآفاقه التغييرية، وتجحد فضائل التنظيمات التربوية والدعوية والرسالية، داعية إلى هدمها وتجاوزها، وهكذا يُفهم بأن هذا تشجيع لنخبة الفكر على التمرد والفوضى بمبرر الحرية والاستقلالية.

وهكذا يقع سوء تقدير ونظرة سلبية لكل من التنظيم والنخب الفكرية تجاه بعضها بعضًا، الأول يرى في النخب الفكرية حالة من الإزعاج الفكري والنظري والمشاكسة النقدية التي لا تستجيب لواقع العمل الميداني اليومي، وتفتقر إلى الحس الإجرائي، وتفتقد إلى المعطيات اللازمة في إدارة الصراع وإدراك حجم التحديات والإكراهات القائمة في بنية التجربة التغييرية، فيما ينظر الثاني إلى التنظيم بوصفه غارقًا في اليومي والتفصيلي، ويضيق بأهل الفكر والرأي، ولا ينصت إلى تنظيراتهم السديدة وأفكارهم الاستراتيجية وأطروحاتهم المجددة، وقد يصل الوضع إلى الاعتقاد بأن هذه النخب ضحية "تنظيم تسلطي"؛ لأنها تجسد بسلوكها مسار شهداء الفكر والحرية والنقد عبر التاريخ.

يُسهم الحفاظ على حد أدنى من الاتساق الفكري داخل تنظيم معين في إطار أرضية مشتركة وجامعة في بناء حالة من التماسك التنظيمي والإيديولوجي، فضلاً عن محاولة استيعاب منطق "الاشتغال التنظيمي"، وهذا أمر وارد في كل الحركات الاجتماعية، إذ تعبر حركة التنظيمات وفعاليتها المؤسسية وقدراتها التعبوية عن نضج حضاري، يعكسه تنازل جزئي للمنخرط فيها والمؤمن بمشروعها عن جزء من حريته الشخصية لمصلحة المجموع ومن أجل إدارة عمل إصلاحي حضاري نافع للمجتمع ككل. لكن الخطورة تكمن في تمكن بعض الفئات أو النخب سواء أكانت بيروقراطية أم تقنية أم دينية إلى توظيف موقعها التنظيمي ومنصبها الرسمي، لاستملاك قدرة/ سلطة تنظيمية تمنحها شرعية ممارسة آليات الإقصاء الناعم أو الاستبعاد الصلب أو التهميش الرمزي أو التخوين المبطن.

غير أن الانضباط الديمقراطي للاختيارات الجماعية للتنظيم، وشرعية قيادته ومساطره ومؤسساته وقوانينه -في نظر النخب الفكرية على الأقل-لا يعني الانزياح إلى تبرير حالة الجمود الفكري، باسم المحافظة على استقرار المؤسسات والمكتسبات وتغليب العقلية التقليدية والأبوية المناهضة لكافة أشكال الإبداع والتطوير، التي تعد النقد الذاتي تنكرًا وجحودًا للأفق الإصلاحي النهضوي، وتشكيكًا في أي نقد أو دعوة للتفكير في مراجعة أو تصحيح مسار المشروع الإسلامي الحضاري ومنهجه.

لقد دعا رواد مدرسة إعادة تشكل العقل المسلم أمثال: خالص جلبي وعبد الله النفيسي وعبد الحليم أبو شقة وعبد الحميد أبو سليمان وجودت سعيد وغيرهم إلى الاستماتة في مـمارسة فضيلة النقد الذاتي، لكونها جزءًا رئيسًا من الوفاء لمشروع الإصلاح وحلم النهوض والتحرر، بغية التنبيه على أهمية التأصيل الشرعي والفكري لضرورة المراجعة الذاتية، وتقويم أوجه الاختلالات التي تعاني منها الحركات الإسلامية والأزمة الفكرية والمنهجية التي تخترق عقلها وفكرها. ولعل أهم التطورات التنظيمية والفكرية والسياسية التي تعرفها الحركات الإسلامية عمومًا والمغاربية خصوصًا، هي حصيلة مسار من المراجعات النقدية الجادة للمواقف والاختيارات والخلفيات والتصورات، وهي ناجمة أيضًا عن التجديد الفكري والنقد الذاتي والتأمل الواعي في التجارب والمسارات والسنن الشرعية والكونية.

إن معالجة سؤال العلاقة بين نخبة الفكر والتنظيمات يتطلب إبداع تركيب خلاق وحوار مستمر مرن، لا تضيع فيه ميزات كل طرف وجهده ويستفاد منه في بناء حركة الإصلاح وتطويرها، إذ تحافظ فيه النخب المفكرة على مسافة متوازنة مع التنظيم، وعلى مساحة كبيرة للحرية واستقلالية التفكير والرأي، مستندها أن الأصل في الأفكار الحرية، فلابد من عدم الاستنكاف عن خوض غمار تجربة دائمة ومفتوحة من النقاش العلمي والجدل والحوارية والتشاركية، تحفظ للتنظيم سلطته ومؤسساته وقراراته دون أن يتم سلب إرادة نخبة الفكر وحرياتهم وآرائهم، بل حتى إرادة الأفراد داخله، وفي الوقت نفسه تجسد ممارسة الحرية الفكرية والاجتهاد في الرأي وإدارة التنوع مرونة كبيرة، لا تهدم مؤسسات التنظيم ولا تحدث فيها حالة من الفوضى والانقسام.

 

النخب الفكرية وهموم الوطن والأمة

إن انتماء النخب المفكرة للأمة والمجتمع المفتوح هو الأصل، حتى يتجه سعيها الرئيس نحو بناء تيار إصلاح فكري عام يؤسس لمرحلة الأنوار، بدل السقوط في درك الانغلاق الطائفي والجمود المذهبي، والحجر على اجتهادات هذه الفئة وتحويلها إلى آلة جبارة للتبرير الإيديولوجي والتخدير الفكري والتمجيد الذاتي.

لا تتوقف علاقة المثقف الإصلاحي العضوي على التنظيمات فقط، بل هو مرتبط أيضًا بقضايا مجتمعه وهموم الأمة والعصر، من ثم يتولد لديه حس المسؤولية التاريخية والحضارية تجاه أسئلة عصره وتحدياته، فدور المثقف لا ينحصر في التبشير الإيديولوجي أو التنظير الفوقي أو التدقيق التقني والبيداغوجي، فهو ليس مجرد محلّل أو خبير أو مهندس معرفة، بل هو فاعل في المجال العام ولا تخلو مساهمته من مواقف[1] وتحيزات؛ كما لا يختزل المثقف في كونه أكاديميًّا متخصصًا، ولا مجرد آلة لتنظيم المعلومات والمعارف ومعالجتها، إنما يكتسب صفة المثقف العضوي من خلال القدرة على اتخاذ المواقف والتحيز الثقافي والحضاري انطلاقًا من قاعدة معرفية؛ والمواقف هنا هي أحكام قيمية أو معيارية[2]، لا تقتصر على وصف الواقع أو ما هو كائن بل تتطلع إلى ما يجب أن يكون، حسب غرامشي.

كما أنه ملتزم في إطار مسؤوليته بنقل "التناقضات الاجتماعية الموجودة في قلب مجتمعه داخل وعي الناس وأحاسيسهم"[3]، ليوقظ لدى أفراد المجتمع الراكد الوعي بمعضلات عصره وتحديات التخلف والانحطاط القائم وأسبابه العميقة، ليبحث أيضًا في مداخل النهوض ومستلزماته وشروطه، فيكون هذا الجهد الترشيدي جزءًا من حل أزمة التأخر التاريخي وفقدان البوصلة فيمنحه حركة وطاقة، "ومن ثم يقوم المجتمع بحركته بنفسه"[4]. وبهذا يتحول المثقف من "العضوية" إلى "العمومية" العابرة للتخصصات من خلال إنتاج خطاب بلغة قريبة من المجتمع وهموم الشأن العام، وقد لا يكون هذا الخطاب جديدًا على مستوى الأفكار والنظريات، لكن جدته تكمن في أسلوب طرحه ومنهج ربطه مع إشكالات العصر، فيصبح المثقف قائمًا بدور الوسيط بين مجال البحث العلمي والمجال العمومي[5].

يستدعي هذا الدور تقوية ملكة النظر والنقد والتمحيص من خلال التجديد في الآليات والتصورات والأفكار، والتمرد على السائد من المسلمات الجاهزة المعيقة، وتطوير الخطاب الديني والسياسي والفكري، وتجاوز الجمود بما يتطابق وتطلعات الأجيال الجديدة وخصوصيات المرحلة الحضارية التي يمر منها مجتمعه وعصره. كما أن الدور العلمي البحثي المؤسس على الخلفية الفكرية والحامل للقلق المعرفي، تناط به قيادة التحول الاستراتيجي داخل المشروع الإصلاحي النهضوي والتأسيس المعرفي لجيل النهضة المنشود.

يفترض في نقد المثقف أن يتسم بالأصالة والمصداقية في مشروعه التغييري؛ لأن وظيفته النقدية تستبطن وظيفة التحرير والتنوير والتثوير والتجديد، ولأن أفقه الرحب هو "خلق المحبة والإيمان والحركة نحو الهدى والعدالة"[6]، والسعي إلى تنوير مجتمعه وهدايته إلى الحقائق[7]، إنه حارس أحلام الشعوب والمدافع عن حقها في الحرية والعدالة والكرامة والسيادة. أما المثقف المزيف فهو حارس لمصالحه وامتيازاته وشهواته فقط.

ورغم قساوة النقد وعنف التشخيص وتأزم الأوضاع وتشاؤم العقل، لا يكون المثقف الحق إلا صانعًا للأمل وبانيًا للوعي ومؤسسًا للمنهج ومجددًا في أدوات التفكير ومبدعًا في تقديم الخيارات والبدائل؛ لأنه متفائل بإرادة الشعوب ومؤمن بطاقتها وقدرتها على الانبعاث من جديد. فرغم أصالة صفته النقدية المزدوجة للسلطة والجمهور، وتشاؤمية تحليلاته وتوقعاته وتنظيراته وانكسار مشاريعه وتطلعاته، يظل من واجبه الأخلاقي والتاريخي حماية الحلم والحفاظ على وهجه ليظل حيًّا للأجيال المقبلة، حتى لا تقع الهزيمة النفسية والفكرية وتتزعزع الثقة بالذات الحضارية.

إن أخطر معضلة تعترض التجديد الفكري والتنوير الديني في العالم العربي والإسلامي أن تتحول نخب الفكر إلى أتباع للسلطوية وملحقة بالحزبي الطائفي، فتنحاز لإضفاء الشرعية على مصالح الاستبداد وتبرير إيديولوجيته، وتلميع صورته وتقديس سياساته، في حين أن الواجب الأصلي لهذه النخب هو ممارسة وظيفة النقد الصادق وبناء الوعي الملتزم بقضايا الشأن العام والالتحام بهموم الجماهير.

لقد تسرب المنطق البرغماتي لطائفة من أهل الفكر بالاقتراب من نسق الاستبداد وخدمته بغية الاستفادة من الامتيازات والمغانم، واكتساب شرعية الخبير ولقب المثقف والارتقاء إلى فئة النخب المحظية، لتسقط هذه الفئة في فقدان المصداقية العلمية والأخلاقية وانهيار الشرعية الشعبية، في حين أن رسالة النخب المفكرة تتجلى في تحرير الإنسان ونقد الأوهام وكشف الزيف وتحطيم الأوثان وتفكيك التسلط والتبشير بالحرية.

ومن ثم، فإننا نتصور بأن الحرص على بناء فضاءات استراتيجية للتفكير والنقد والتأمل، يستدعي خيار التحاور بين "النخب المفكرة" والهيئات الحركية والسياسية لتوجيه الاهتمام إلى مركزية العامل الفكري والبعد العلمي في ترشيد القرارات وتأسيس الخيارات وتجديد المقاربات، ويعتبر هذا الأمر جزءًا أصيلاً من وظائف هذه النخب، للإسهام في تطوير مشاريع الحركات الاجتماعية والإصلاحية والنهضوية.

 

 

[1] عزمي بشارة، في الثورة والقابلية للثورة، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014، ص109.

[2]  المرجع نفسه، ص110.

[3]  علي شريعتي، مسؤولية المثقف، ترجمة: إبراهيم الدسوقي شتا. بيروت: دار الأمير للثقافة والعلوم، 2007، ص130.

[4]   المرجع نفسه، ص130 وص 132 بتصرف.

[5] عزمي بشارة، المصدر السابق، ص109.

[6]  علي شريعتي، ص132.

[7]  المرجع نفسه، ص128وص142.

شارك :

التعليقات (1)

أضف تعليق