دعوة للمشاركة في ملف "الحركات الإصلاحية"

طباعة 2021-12-14
دعوة للمشاركة في ملف "الحركات الإصلاحية"

مر أكثر من قرن على ميلاد الحركة الإصلاحية، شهد بروز رواد وقيادات للإصلاح والنهضة، وتبلورت فيه مدارس إصلاحية متعددة، تمايزت بقضاياها وأدبياتها ومشاريعها الفكرية، كما فرض التكيف مع الواقع والتفاعل مع معطياته وسياقاته المختلفة، تباين التجارب من قطر إلى آخر، وقد كان لهذا السياق القطري آثاره البيِّنة في سيرورة التمايز بين هذه المدارس والقوى الإصلاحية بل وتكريس حالة التمايز وتأكيدها. كما أن السياق الاستعماري (الفرنسي أو البريطاني) كانت له آثاره الواضحة على البنيات المعرفية والفكرية لهذه الحركات وتأكيد تقاطعات أو نفيها بين مكونات المدرسة الإصلاحية مشرقا ومغربا.

تفردت المدرسة الإصلاحية المشرقية بسماتها، كما امتازت نظيرتها المغربية بخصوصيتها، وتأثرت قضاياها، وارتهنت همومها وانشغالاتها بالسياق السياسي والحضاري الحاكم، فانشغلت الحركة الإصلاحية في بدايتها بقضايا التحرر والنهضة والاستقلال.

بينما فرض عليها سياق الاستقلال انعطافة كبيرة في الانشغالات لجهة طرح سؤال بناء الدولة الوطنية وتحديات التنمية والتقدم، فيما عانت الحركة الإصلاحية في مراحل متقدمة من إحباطات الدولة القطرية، فانشغل همها أكثر بقضايا الحرية والكرامة والديمقراطية. كما لا نغفل في هذا السياق، التباين بين طبيعة الأنظمة السياسية والذي ترك بصماته الواضحة على مسار وسيرورة هذه الحركات والقوى الإصلاحية سواء من حيث انكفاؤها أو انفتاحها أو من حيث قوتها وضعفها، فضلا عن حمل هذه الأنظمة نفسها لمشاريع إيديولوجية ورؤى في التغيير خاصة بها.

بيد أن الاختلاف في هذه الانشغالات، وما كان يبرر في العادة بتغير السياقات وتحولها، لم يكن يمنع من استمرار وتقاسم بعض القضايا والمفردات في أدبيات الحركة الإصلاحية. فبالقدر الذي حدثت في أدبيات الحركات الإصلاحية - بتعدد مدارسها- تحولات كثيرة على مستوى القضايا والمفاهيم والرؤية والمنهج، بالقدر الذي بقيت محتفظة في عمومها بأرضيتها المشتركة ومرجعيتها التي تستمد منها النظرة إلى الواقع والمستقبل معا، وتحاول الانطلاق منها لتأصيل مشروعها وتصورها للإصلاح.

وإذا كانت هذه المدة الطويلة تبرر بروز رصيد كبير ومتنوع من الرواد والمدارس والمشاريع الإصلاحية، فإن رصد أثرها، وتتبع أدائها وحصيلتها، يتطلب خوض تمرين تقييمي ونقدي، يروم قياس أهدافها المعلنة بما تحقق لها في أرض الواقع، ثم قياس درجة التحولات التي أحدثها خطابها ومشروعها الفكري وفعلها المجتمعي، وأثر ذلك كله في النخب والمجتمع والدولة.

إن هذا الرصيد الهائل من الرموز والرؤى الإصلاحية والمشاريع والأدبيات الفكرية والحركات الإصلاحية التي خاضت من وحي الفطرة الإصلاحية تجربة حركية فكرية وسياسية، جدير بأن يوضع في دائرة التساؤل البحثي، رصدا وتقييما ونقدا واستشرافا.

على أن هذه المهمة البحثية التي تروم التقييم والنقد والاستشراف لا يمكن أن تتم من غير شروط، إذ أول ما يشترط في هذا الجهد التقييمي والنقدي لجهود رواد الإصلاح، استحضار السياق التاريخي والسياسي الذي أنتجت فيه الفكرة الإصلاحية، فالمشاريع الإصلاحية التي قاومت الاستعمار ليست هي التي تعاطت مع سؤال بناء الدولة والتنمية، والتجارب الإصلاحية التي تفاءلت بمشاريع التقدم بعد الاستقلال، ليست هي التجارب التي عانت إحباطات الدولة الحديثة، وانحازت بعد مرحلة طويلة من الإحباط لقضايا الحرية والديمقراطية. كما يشترط أن يقرأ المنتوج الإصلاحي في سياق تراكمي، يراعي جدل الاستمرارية والقطيعة والتجاوز، فالحركات الإصلاحية التي كانت ترفع شعار الجامعة الإسلامية، ليست هي الحركات الإصلاحية التي تجتمع اليوم على قضية الدمقرطة ومقاومة السلطوية ضمن النطاق القطري. كما يفترض أن يستحضر هذا الجهد التقييمي والنقدي أيضا، التلاقح الثقافي الذي كان يجسر العلاقة بين التجارب والمشاريع، فكثيرة هي المشاريع الإصلاحية التي انطلقت من أرضية تلاقح ثقافي وفكري، فتأسست على نقد أعطاب تجربة، أو تبلورت في سياق مخاضات مراجعات ذاتية أو مراجعات لتجارب أخرى. فالحركة الإصلاحية المغربية مثلا استفادت كثيرا من تراكمات نظيرتها المشرقية، وأفادها تأخرها الزمني في تجنب كثير من عثراتها. كما يشترط هذا التمرين أيضا، استحضار النسق الفكري والسياسي الحاكم، والذي يحضر بثقله، ويؤثر في مجمل الإنتاجات الفكرية ويجعلها موسومة بسمة المرحلة، ومن ذلك الإنتاجات الفكرية التي سادت زمن الستينيات، والتي اتسمت بمنطق نبذ التعددية وتزكية الحزب الواحد، سواء كانت ماركسية أو قومية أو إسلامية، فلا يمكن بحال أن تقرأ أدبيات هذه المرحلة خارج منطقها الفكري والسياسي الحاكم، أو قراءة لون من ألوان هذه المشاريع الفكرية بمنطق آخر،  حكم  مرحلة زمنية لاحقة كما هو الشأن في المرحلة الراهنة المحكومة  بالفكر الذي يناصر قضايا التعددية والانفتاح والحق في الاختلاف.

ومع الوعي بأن هذه الاشتراطات، تعقلن وترشد عملية التقييم، فإن الحاجة تبقى ماسة لأن يقرأ رصيد التجربة الإصلاحية قراءة نقدية، يرصد فيها جوانب تقدمها وإشراقها، ويلفت الانتباه إلى مآزقها وأعطابها، مع تلمس الجوانب التي لا تزال تستدعي الاستدراك والتصويب وإعادة الصياغة وفقا لمتطلبات المرحلة الراهنة، كما يفترض النقد وضع النموذج الإصلاحي في دائرة المساءلة، بما يعني اختبار صلاحيته من عدمها.

ضمن هذه الأرضية، تقترح "أواصر" لعددها القادم معالجة موضوع الحركة الإصلاحية المعاصرة بروادها ومشاريعها ومدارسها وخطابها، وذلك وفق ثلاث متجهات أساسية:

  1.  توجه رصدي: يهتم بالتعريف بالحركة الإصلاحية بتعدد روادها ومدارسها وأهم القضايا التي انشغلت بها وبعض سمات مشروعها المجتمعي فضلا عن خطابها الفكري وطموحاتها النهضوية.
  2.  توجه تقييمي: يتوقف عند أهم الإنجازات التي حققتها هذه الحركة، وأهم التحولات التي أحدثتها في بنية المجتمع، الأثر التي تركته سواء على النخب أو مراكز الثقل في الدولة.
  3.  توجه نقدي: ويتم فيه التعرض لأهم إخفاقات الحركة الإصلاحية، وبعض الأعطاب التي أصابت مشروعها المجتمعي أو خطابها الفكري.

***

محاور الملف:

  • رصد مسارات الحركة الإصلاحية وتحولاتها بالتركيز على المنطق العام الذي انتظمت فيه، باستحضار للسياق السياسي والاجتماعي، والتوقف على تباينات المدارس الإصلاحية ومحاولة تفسيرها.
  • أطروحة الامتداد والقطيعة بين موجات الحركات الإصلاحية المختلفة: حيث يهتم هذه المحور بتقديم مقاربة تفسيرية الأشكال الامتداد والتأثير، ونماذج القطيعة والتجاوز بين هذه الحركات.
  • تحليل أشكال تثاقف الحركات الإصلاحية، وانفتاح بعضها على بعض، وشكل تأويل المنتوج الغيري ضمن السياق السياسي والاجتماعي، وبحث تأثير بعض أشكال التثاقف في الانسدادات الفكرية والسياسية في بعض التجارب أو حجم الانفتاح داخلها.
  • دراسة الأبعاد المختلفة للحركة الإصلاحية، والتمييز بين الحركات الإصلاحية الإيديولوجية (المتمحورة على مشروع فكري إصلاحي)، وبين الحركات الاجتماعية (التي تستمد شرعية وجودها بالاحتجاج على السلطة أو الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية)، ودراسة مآلات كل نوع من هذه الحركات على حدة.
  • تقييم ونقد تجارب هذه الحركات، وذلك على مستوى المنجز الفكري، والقيمي والسياسي، وتفسير جدل النجاح والإخفاق.
  • تحليل تحولات النموذج المعرفي الإصلاحي داخل هذه الحركات، وكيف وقع التحول، من نموذج معرفي لآخر، مع تقديم تفسير مقارن، يقترح المحددات المبررة لمثل هذه التحولات.
  • تقييم ونقد تجارب الإصلاح السياسي التي انخرطت فيها هذه الحركات، ودراسة تأثير النموذج الفكري على أشكال الممارسة التي أنتجتها هذه الحركات وتسببت في هذه الإخفاقات.

 

 ***

تستقبل مواد هذا الملف في موعد أقصاه 30 مارس 2022م، كما يمكنكم المساهمة في مواضيع أخرى خارج ملف العدد، وفقا لرؤية المجلة وسياستها في النشر؛ وتشمل محور "الترجمات" ومحور "دراسات ومقالات" ومحور "مراجعات الكتب"، في مختلف مجالات العلوم الاجتماعية والسياسية وحقل التاريخ والفلسفة والفكر الإسلامي.

البريد الرسمي للمجلة: [email protected]

شارك :

التعليقات (1)

أضف تعليق