دعوة إلى المشاركة في ملف حول المصالحة السياسية

دعوة إلى المشاركة في ملف حول المصالحة السياسية

لم يسبق للعالم العربي أن عرف مثل هذا التشرذم والصراع الذي يمزق كيانه وخارطته الممتدة. فقد عاش لحظات من المناكفة بين بعض المحاور، التي  نشأت على خلفية التباين في الرؤية والموقف السياسي اتجاه قضايا رئيسة تخص القضية الفلسطينية وسبل مكافحة الاحتلال الصهيوني (محور الصمود ومحور الممانعة)، وقضية الإيديولوجيا الحاكمة (محور القومية التحررية، ومحور القطرية المستقلة)، وقضية الموقف من الهيمنة الأمريكية (محور المقاومة ومحور الاعتدال) لكن، مع حدة التوتر  بين هذه المحاور،  إلا أنها كانت تؤطر بجملة سقوف، تصل في كثير  من  الأحيان إلى التوصل للحدود الدنيا المشتركة في العديد من القضايا لاسيما قضية الصراع العربي الإسرائيلي ومناهضة أشكال من العدوان الصهيوني على فلسطين المحتلة أو لبنان.

وحتى في المرحلة التي عرفت ذروة الحرب العراقية الإيرانية، بقي الجسم العربي موحدا لاسيما في شقه السني، إذ لم تستطع إيران أن تخترق الصف العربي باستثناء طفيف في لبنان الذي لم يستطع أن يحل أزمة حربه الأهلية إلا بوساطة عربية سنية انعقدت مضامين اتفاقها في الطائف.

حرب الخليج، كان لها أثر في ظهور شق خطير في الصف العربي، إذ اختلط في التقدير السياسي العربي، البعد العربي بالبعد الدولي في الصراع، فانتصر البعض لتحرير الكويت من الغزو العراقي، فيما اصطف البعض الآخر مع العراق في مواجهتها للإمبريالية الأمريكية التي كانت تعتزم ترتيب أجندات كبرى في المنطقة باستثمار غزو العراق للكويت.

والملاحظ أن المحطات الأولى التي خلقت تباينا في التقدير السياسي داخل الصف العربي، كان المحدد الأساسي للصراع هو الموقف من الآخر، سواء كان ممثلا في الكيان الصهيوني وأشكال مواجهته، أو الهيمنة الأمريكية على المنطقة وأشكال التحرر منها، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع الإيديولوجي، قوامها الاختلاف في الرؤية لطبيعة الاستقلال والتحرر،  وهل يتم ذلك من خلال قطرية مستقلة، أو قومية عربية متحدة، وهل يتم ذلك في ظل خلق شروط ممانعة عربية ضد  ثالوت الرجعية والامبريالية والصهيونية، أم يتم ذلك ضمن رؤية الاعتدال الذي يسعى لكسب مواقع من داخل البيئة السياسية الدولية.

المحطة الثانية للصراع داخل الصف العربي، جاءت مع حرب الخليج على خلفية الموقف من الغزو العراقي، أي الموقف من الذات العربية أو أحد أجزائها وليس الموقف من الآخر، ولذلك، مثلت هذه المرحلة أحرج اللحظات في تاريخ العلاقات داخل الصف العربي، إذ خلقت اصطفافا خطيرا لا تزال آثاره إلى اليوم مؤلمة، لاسيما بالنسبة لعدد من الدول العربية التي اختارت الوقوف إلى جانب العراق كما هو الحال بالنسبة لليمن والسودان وغيرها.

محطة أخرى من تاريخ الصراع، سيكون لها كلفتها في العالم العربي، ستدشن مع الحادي عشر من شتنبر، وإطلاق الاستراتيجية الأمريكية المزدوجة لمكافحة الإرهاب من جهة وترقية الديمقراطية في العالم العربي من جهة ثانية. إذ ستتسبب هذه التحولات التي أفضت إلى اندلاع ربيع ديمقراطي في العالم العربي، إلى خلق اصطفاف جديد، على قاعدة دعم الديمقراطية أو مناهضتها، لينقسم العالم العربي لاسيما منه السني للمرة الثانية بعد محطة حرب الخليج، إلى محور داعم للدمقرطة والإسلام السياسي، ومحور آخر مناهض للدمقرطة والإسلاميين، وهو الوضع الذي ستستثمره إيران بشكل ذكي كما استثمرت من قبل واقع الفراغ السياسي في العراق، لتتمدد في سوريا واليمن ولبنان، بعد أن كثفت وجوها وقوت نفوذها في العراق.

هذا الوضع الجديد، جعل العالم العربي موزعا على اصطفافات ثلاث، الدول السائرة في طريق الدمقرطة، والتي يشكل الإسلاميين فاعلا أساسيا في عملياتها السياسية، والدول المناهضة للدمقرطة ووجود الإسلاميين في مربع الحكم بل العملية السياسية برمتها، ودول أخرى، تدور في محور المصالح الإيرانية أو لم تستطع الخروج من الفوضى التي تسببت فيها صراع الإرادات الدولية على أراضيها. 

وقد كان من مخاطر نشوء هذا الصراع أن تفجر العالم العربي السني بشكل غير مسبوق سواء بتفجر تكتلاته الإقليمية التقليدية مثل مجلس التعاون الخليجي بسبب حصار قطر، أو بتحول بعض الدول التي كانت تمثل قاعدة الاعتدال العربي وثقله الاستراتيجي إلى دول برهانات إقليمية تدخلية، أو بسقوط بعض من هذه الدول في فخ الاستراتيجية الإيرانية، وتضحيتها بعلاقاتها السنية وجوارها الإقليمي بزعم مواجهة التمدد الإيراني، مثل ما يحصل للسعودية مع اليمن، لتكون النتيجة في المحصلة، تفجر مواقع الثقل الاستراتيجي في العالم العربي السني وفقدان هذا العالم لجدران مهمة في أمنه القومي وتمدد العالم الشيعي على حساب العالم العربي السني، فضلا عن دخول العالم السني والشيعي نفسه في صراع يصب بشكل كامل في تدعيم مصالح الكيان الصهيوني والهيمنة الأمريكية على المنطقة، وذلك في حرب استنزاف خطيرة، لا يعلم على وجه التحديد أين يتجه مآلها.

والخطير في الأمر، أن آثار هذا الاصطفاف والصراع لم يبق مقصورا على النخب الحاكمة، بل امتد الشرخ حتى لشرائح المجتمع، وذلك في شكل صراع خطير بين مكونات تناصر الديمقراطية وأخرى تدعم النظام الحاكم واختياراته الإقليمية، بل أدخلت دول أخرى لهذا الصراع مجبرة بسبب مصالحها المالية مع بعض دول الخليج، فيما اضطرت دول مثل مصر للعب أدوار خطيرة في المنطقة، كان لها أثر خطير على التماسك المجتمعي، إذ أصبح شرائح المجتمع، ونخبه الثقافية والإعلامية والفنية،  حطبا مهما في هذا الاصطفاف  والصراع المسبوق داخل العالم العربي.

والمحصلة، أن العالم العربي لاسيما السني منه، فقد ثقله الاستراتيجي بشكل كبير، ودخل في موجة تناحرات خطيرة، تهدد استقرار العديد من المناطق، سواء في الخليج، أو الشرق الأوسط أو المغرب العربي، بل تساهم في خلق شروط حرب واسعة ومدمرة في المنطقة، هذا في الوقت الذي تراجعت فيه المؤشرات الاقتصادية في عدد من دول المنطقة، مؤذنة باقتراب اندلاع ربيع عربي ثان لا يمكن لأحد أن يتوقع مآلاته.

أما هذا الواقع، الذي تبرز مؤشراته مخاطر استمرار هذا الوضع، وآثاره الخطيرة على الاستقرار والمصالح العربية المشتركة، تبدو الحاجة ملحة، لإعادة التفكير في شروط المصالحة، ليس فقط من داخل البيت السني، ولكن أيضا بين العالم العربي السني والعالم الشيعي، ولم لا التفكير في شروط مصالحة من مستوى ثالث، تساهم في صياغة تعاقدات جديدة بين الإرادة الشعبية وبين الحكم، على قاعدة توسيع مجالات الحرية والمشاركة السياسية وإشراك المواطن في التنمية ورفع درجات الحوكمة والشفافية في تدبير الحكم.

 ولذلك، تقترح المجلة محور المصالحة، لإعادة تقييم الوضع العربي، والمساهمة في إعادة صياغة خارطته من جديد، وذلك في ضوء المصالح العربية المشتركة، وفي ضوء إدراك المخاطر التي تحدق به لاسيما منها الأمنية والسياسية والاقتصادية والاستراتيجية.

على أن الهدف من طرح مفهوم المصالحة، ليس فقط بيان جدواها والحاجة الملحة إليها في العالم العربي السني، ولكن، الهدف الذهاب بعيدا في صياغة هذا المفهوم والتبشير به وطرح جدواه حتى داخل النسق العلائقي الذي يربط الدول ببعضها أو يربط الحكام بشعوبهم أو يربط شرائح المجتمع بعضها ببعض، لاسيما وأن آثار الصراع نزلت بقوة إلى شبكة العلاقات الاجتماعية أحدثت فيها شرخا عميقا يصعب تجاوزه دون إجراء مصالحة قاعدية على هذا المستوى.

 ولذلك، يسعى ملف هذا العدد إلى تحقيق أهداف ثلاثة:

  • أولها تأصيل مفهوم المصالحة والحاجة إليها، سواء كان هذا التأصيل شرعيا أو فكريا أو سياسيا.
  • ثانيها بيان الحاجة للمصالحة ومبرراتها الموضوعية.
  • وثالثها، إبراز الأدوار التي يمكن أن تقوم بها والمكاسب التي يمكن أن تحققها والتحديات التي يمكن أن تتعاظم في حال عدم استدعائها.

على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب الاشتغال على عدد من المحاور:

- الاشتغال عل مفهوم المصالحة تحديدا وتأصيلا.

- بيان الرهانات التي يمكن أن تشكلها المصالحة سواء في فضائها العربي السني أو بين العالم السني والشيعي.

- بيان الشروط التي يمكن أن تساهم في بناء هذه المصالحات.

- بحث ودراسة تجارب في المصالحة مع التوقف عند مآلاتها والمكاسب التي تحققت بها، والتحديات والإكراهات التي واجهتها.

- المساهمة في إنتاج صياغات جديدة للمصالحة بين الحكام والنخب السياسية على قاعدة تعاقدات سياسية مع الإسهام في بلورة مضامينها وعناوينها.

- التركيز على تبرير الحاجة للمصالحة المجتمعية، وما يندرج ضمن هذا المحور من دراسة رصدية آثار الشرخ المجتمعي ومؤشراته، ومخاطر استمرار هذا الوضع، وأثره على تفكك شبكة العلاقات الاجتماعية وسبل صياغة مصالحات قاعدية مجتمعية وشروط ذلك.

- التعريف بتجارب المصالحات المجتمعية أو المصالحات بين النخب والحكم مع بيان الشروط التي تمت فيها والإكراهات والتحديات التي واجهتها.

- دراسات في العلاقات الدولية تبحث جدوى للمصالحة ومخاطر تغييبها على مستقبل العالم العربي ومصالحه الحيوية المشتركة.

- دراسة الوساطات العربية التي أطرت بمنطق المصالحة للكشف عن مآلاتها والتحديات التي واجهتها وسبل تقويتها والرفع من فعاليتها ونجاعتها.

أواصر - مجلة فكرية فصلية

www.awasr.com