دعوة إلى المشاركة في ملف الحراك الجزائري والسوداني

دعوة إلى المشاركة في ملف الحراك الجزائري والسوداني

من السابق لأوانه الجزم بأن ما تعيشه الجزائر  من حراك  شعبي مستمر، وما عرفته السودان من ثورة انتهت إلى تقاسم السلطة بين القوى الثورية وبين المجلس  العسكري، بأنه مقدمات موجة ثانية من ربيع عربي قادم، فالجزائر لم تعرف ربيعها الديمقراطي لحظة الثورات العربية التي اندلعت في تونس ومصر، وربما كانت  سباقة إلى خط طريق الدمقرطة عشية ثورة الخبز سنة 1988،  والتي مهدت الطريقة لتجربة ديمقراطية فتية سرعان ما تدخلت قوى دولية إلى إجهاضها بسند من المؤسسة العسكرية،  أما السودان، فقد خطت طريقا آخر في مسارها السياسي، بعد أن تحالفت  بعض القوى الإصلاحية مع المؤسسة العسكرية،  فتمت على إثر ذلك ثورة الإنقاذ، التي انتهت  ليس فقط إلى تفكك التحالف، بل تفكك الحركة الإسلامية ذاتها،  وانطلاق صراع قوي بين الحركة الدولة، والحركة الدعوة، فكانت الثورة في أحد عناوينها ثورة على  نظام البشير، وفي  عناوينها الأخرى، ثورة على حكم الإسلاميين، الذين بدورهم، يعيشون حالة من الارتباك والتردد في الموقف، بسبب الوضع المحرج الذي وضعتهم فيه الثورة.

لكن مهما كان سياق كل حراك، فإن الذي يجمع الحالتين معا، هو حصول وعي شعبي بتغول نفوذ المؤسسة العسكرية، وسيطرتها على كل مراكز الدولة، واستلابها للفضاء العام وتضييقها لفرص المشاركة، وتقييدها للحقوق وللحريات، فضلا عن إدخالها البلاد في أزمة مستعصية، برزت تجلياتها في الجزائر بعد انهيار أسعار النفط، واضطرار البلاد إلى فقدان احتياطاتها من العملة الصعبة، وبداية التفكير في نموذج اقتصادي جديد يفك ارتهانه بعائدات النفط والبترول، وتمظهرت في السودان، في صورة بلد فاقد البوصلة، لا يدري أي محور إقليمي يصطف إلى جانبه: السعودية والإمارات وما يعنيه ذلك من مزيد نكوص في مجال الدمقرطة والحريات في مقابل مساعدات تأتي أو لا تأتي، أو رفع السودان من لائحة الإرهاب أو الاصطفاف جهة محور تركيا وقطر، وما يعنيه ذلك من  المضي في مسار الدمقرطة وتوسيع مجال المشاركة السياسية وتقاسم السلطة مع القوى الإصلاحية والديمقراطية.

لحد الآن، فإن الحالة الجزائرية لم تصل إلى ما وصلت إليه السودان من فقدان المؤسسة العسكرية لبعض الهدوء واضطرار بعض مكوناتها إلى القيام بمجازر رهيبة في حق المتظاهرين، كما أنها في الجهة المقابلة لم تصل بعد إلى الاتفاق التاريخي الذي أبرم بين قوى الثورة والمجلس العسكري والذي بمقتضاه وضعت خارطة طريق لاقتسام السلطة ووضع السودان في سكة الدمقرطة. فالسلطة في الجزائر لا تزال تتعامل مع الحراك بهدوء، وتنتج ديناميات متدرجة وأحيانا تقوم بمراجعات وتنازلات في سبيل تجسير الهوة بين مطلب القوى الديمقراطية وبين حاجة البلد للاستقرار، وبين هذا وذاك، تباشر خط العقاب السياسي لرموز من النظام، حتى تبعث نوعا من الأمل وتؤسس للمصداقية، بينما القوى الإصلاحية التي تمثل الحراك، لا تزال تعتبر المؤسسة العسكرية جزءا من النظام، وأن الذين يتم معاقبتهم اليوم ليسوا اللائحة الوحيدة المطلوبة، وإنما الأمر ينسحب على رموز أخرى في المؤسسة العسكرية.

ما يميز الحالتين اليوم، أن السودان تم فيها التوصل للاتفاق، ولا يمكن الحكم بعد على مستقبله، فيما الجزائر لا تزال ترتب خطوات مسارها السياسي، وتنظر في الخيارات التي يمكن أن تدمج فيها الحراك ضمن هذا المسار، بدلا من أن يكون معيقا له، إذ لا تزال المؤسسة العسكرية ترى أنه لا بديل عن المسار السياسي المقترح سوى الفوضى وضرب الاستقرار وأن قوى دولية وإقليمية تنتظر هذه الفرصة للانتقام من الجزائر وتهديد أمنه واستقراره.

يروم هذا الملف، أن يدرس الحالتين، معا، من خلال محدداتهما وأسبابهما، وأيضا من خلال طرح الموانع التي جعلت الجزائر والسودان لا تنخرط في الربيع العربي في إبانه، ويتأخر فيها الحراك إلى هذه اللحظة، لاسيما وأن الحالة الجزائرية كانت دائما تتذرع من الصورة المأساوية التي تركتها فترة الدم، وأن الجزائريين اختاروا بوعي عدم الانخراط في الربيع لأنهم لم يخرجوا بعد من صدمة سنوات الدم على الرغم من طول أمد فترة الوئام المدني.

كما يروم هذا الملف، البحث في السيروات، والمآلات، والتحديات، وجدل الداخل والخارج، ومواقف القوى الإقليمية، لاسيما وأن الحالة السودانية عرفت تجاذبا كبيرا من مختلف القوى الإقليمية، ولا تزال إلى اللحظة لم تحدد وجهتها بعد، ولم تضع بيضها في أي سلة من السلات الإقليمية.

كما يسعى الملف إلى التوقف عند نقاط التشابه بين الحالتين، وبالتحديد التشابه في النظام السياسي، وهيمنة المؤسسة العسكرية في السياقين، والمخاطر التي تترب عن هذه التجربة، لاسيما إن تم استدعاء الحالة المصرية، التي كان فيها المجلس العسكري طرفا قويا في معادلة ترتيب الانتقال الديمقراطي، ولم يكن طرفا مستهدفا بحراك الشعب إلا في الفترة الأخيرة حين أصبحت المؤسسة العسكرية في واجهة الحكم من خلال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

كما يهدف الملف إلى دراسة جدل العلاقة بين الحراك الشعبي وبين التنظيمات الحزبية، وهل تم تكريس منطق ما بعد الأحزاب وما يعنيه من ظهور قوى شبابية لم تعد تثق في الأحزاب أو تعتبر أن سقفها السياسي لا يساير تطلعاتها، أم أن الأحزاب السياسية التقليدية استعادت دورها وقامت بأدوار مركزية في الحراك وفي الصراع حول السلطة؟

كما ينشغل الملف بالوقوف على موقع الإسلاميين في الحراك، وهل يتميز بخاصية واحدة في الحالتين معا، أم أن السياقين المختلفين فرضا أشكالا مختلفة من التموقع عند هذا التيار؟ وهل تصرف الإسلاميون بذات العقل السياسي الذي تصرفوا به لحظة الربيع العربي، أم أن ثمة متغيرات في العقل السياسي تم تسجيلها في هذين الحراكين؟

كما يهتم هذا الملف، بتوقع مستقبل الحراكين في الحالتين معا، والتحديات التي تعرضهما، والسيناريوهات الممكنة، والمحاذير التي يمكن أن تعيق مسار الدمقرطة في الدولتين.

المحاور الرئيسة:

  • المحور الأول: الحراك في الجزائر والسودان: المحددات ودواعي التأخر: تأخر الشروط أم نضج اللحظة.
  • المحور الثاني: الحراك في السودان والجزائر والقوى الدولية والإقليمية: جدل التكيف والممانعة
  • المحور الثالث: الحراك في الجزائر والسودان عناصر التشابه والتمايز، ودلالات الاشتباك مع المؤسسة العسكرية.
  • المحور الرابع: الحراك الجزائري والسوداني: عودة دور الأحزاب التقليدية أم تكريس واقع ما بعد الأحزاب.
  • المحور الخامس: الإسلاميون في الحراكين الجزائري والسوداني: دراسة تحولات العقل السياسي وسلوكه اتجاه الربيع الديمقراطي.
  • المحور السادس: مستقبل الحراك الجزائري والسوداني: السيناريوهات، التحديات، المحاذير، الأفق.

أواصر - مجلة فكرية فصلية

www.awasr.com