اليمين المتطرف في فرنسا

طباعة 2017-10-10
اليمين المتطرف في فرنسا

تحاول هذه الدراسة، أن تقترب من ظاهرة اليمين المتطرف الفرنسي، وتتوقف عند امتدادها في التاريخ الفرنسي، وتفهم سيرورتها، وترصد التحولات الإيديولوجية والسياسية التي شهدها هذا التيار مع تحليل نتائجه الانتخابية وتفسيره صعوده، واستشراف سيناريوهات ما بعد الصعود، والآثار التي يمكن أن يشكلها إمساكه للسلطة في فرنسا.

سياق النشأة: الامتدادات التاريخية لليمين الفرنسي المتطرف

مع العدد الهائل من الدراسات[1] التي حاولت الحفر في جذور اليمين المتطرف[2]، ثمة صعوبات تعترض تحديد سياق نشأته وتشكله، تتمثل في التحولات والتحالفات والانشقاقات التي عرفتها مكونات هذا التيار، وأثر ذلك في صياغة التركيب الفكري والسياسي الذي انتهى إليه.

ويرى روني ريموند أن اليمين المتطرف الفرنسي يتركب في أصوله من ثلاثة موروثات: مناهضة الثورة، ومناهضة النظام البرلماني، ثم القومية التي تم إرثها من البونابارتية[3].

ويرجع بعض الباحثين[4] أصول اليمين المتطرف إلى عدد من الحركات والرموز التي صاغت الإيديولوجية اليمينية منذ القرن الثامن عشر، ويصل جذوره بالأدبيات المناهضة للثورة الفرنسية منذ إعلانها سنة 1789 وقيام الجمهورية الفرنسية سنة 1792، مثل أدبيات لويس دوبونالد (Louis de Bonald)[5] وجوزيف دو ميستر (Joseph de Maistre) وأنطوان دو ريفارول (َAntoine de Rivarol)[6].

وقد ساهمت أدبيات أرنست رينان (Ernest Renan) وباريس (Barrés) في إضافة البعد القومي والحلم بفرنسا التوسعية للطرح التقليدي، حيث استلهم التيار اليميني المتطرف من القومية الفرنسية فكرة حصول انهيار في الامبراطورية الفرنسية قياساً لتجربتها الذهبية، وفكرة التآمر الخارجي على فرنسا، وفكرة نقاء الدم العنصرية[7].

وبالإضافة لهذه الأدبيات، ساهمت عوامل أخرى في إحداث توافقات تاريخية بين عدد من المكونات اليمينية المتطرفة، كالأزمة الاقتصادية التي ضربت فرنسا سنة 1880، وتتالي الأزمات الاجتماعية على خلفيتها، وتوسع دائرة الغاضبين على الوضع، إذ تداعت مكونات من أقصى اليمين لتشكيل تحالف يضم بعض الجنرالات القدامى، واليمين القومي، مؤسسة بذلك عصبة الوطنيين سنة 1882، وعصبة حزب فرنسا سنة 1898، التي جمعت، إلى جانب الجنرالات القدامى، خليطاً من المثقفين والفنانين المناصرين للأطروحة اليمينية المتطرفة لاسيما بعد اندلاع قضية دريفوس[8]، التي كان لها أثر كبير في تجلية الصراع والانقسام داخل المجتمع الفرنسي حول القضية القومية وحقوق الإنسان، وكذا معاداة السامية.

وقد قام إدوراد دريمون، الكاتب والصحفي (1844-1917)، بدور مهم في ضم الأطروحة المعادية للسامية لأطروحة اليمين المتطرف، سواء في جريدته القول الحر (La Libre Parole) أو في نشاطه السياسي الذي أثمر تأسيس العصبة الوطنية لمناهضة السامية في فرنسا[9].

ومع نهاية القرن التاسع عشر، ستأخذ أطروحة اليمين المتطرف شكلها التركيبي النهائي مع شارل موراس الذي أسس حركة العمل الفرنسي، منطلقاً من الأطروحات التالية[10]:

  - أن الجمهورية غير قابلة للإصلاح لأنها مصابة بفيروس الفساد المزمن[11].

  - أن الجمهورية هي نظام أجنبي تسيطر عليه أربع قوى معادية للدولة، هم: اليهود، والبروتستانت، والماسونيون، والأجانب "الأجانب المقيمون" métèques)[12]).

  - أن لا إصلاح من غير ملكية، وأن تاريخ فرنسا يشهد بأن أربعين ملكاً صنعوا فرنسا في ألف سنة[13].

  - أن السلطة المطلقة بيد الملك، وأن "السلطة في الأعلى، والحرية في الأسفل"[14].

  - مناهضة الليبرالية المتوحشة والاشتراكية، وأن دور الملكية هو التدخل لحماية الاقتصاد الفرنسي من أجل ضمان السلم الاجتماعي[15].

ومع كل الجهد الذي قام به موراس في هذا السياق، فستتعرض حركة العمل الفرنسي لهزيمة انتخابية ضد اليسار سنة 1924، ستدخلها في أزمة شديدة جعلتها تتحول إلى ممارسة العنف مما ساهم في إحداث فرز في مكوناتها[16]. وقد حاولت التشكيلات اليمينية المتطرفة، بتأثير من تصاعد الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا، أن تستثمر ظروف الأزمة الاقتصادية، وتحرك إضرابات قوية وظفت فيها لعنة الطبقة العمالية، إلا أن قوى اليسار نجحت في تعبئة مختلف القوى ضدها وضد تحول فرنسا إلى الفاشية، فكان ظهور الحركة الشعبية في فرنسا سبباً مهمّاً في تقليص نفوذ اليمين المتطرف[17].

وقد استعادت الأطروحة اليمينية المتطرفة مكانها وسيطرت على المشهد السياسي الفرنسي إبان نظام جمهورية فيشي (1940-1944)، التي دبرت فيه الحكومة السلطة بمرجعية يمينية متطرفة، مستهلمة في ذلك أفكار موراس.

غير أن هذه الفترة الذهبية، بالقدر الذي وضعت أفكار اليمين المتطرف في محك الاختبار، بالقدر الذي جعلته في مأزق بسبب موقفه من ألمانيا، إذ اختار التعامل معها بكثير من المرونة والتعاون، خوفاً من سيطرة الشيوعية على أوروبا، مما عرضه لانتقادات شديدة بلغت حد اتهامه بخيانة الوطن والتعاون مع الأنظمة الفاشية والنازية؛ مما جعل مصير رموز التيار اليميني المتطرف مأساوية[18].

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حاولت بعض قوى اليمين المتطرف استجماع قواها بتأسيس الاتحاد من أجل الدفاع عن التجار والصناع التقليديين، والذي قاده بيير بوجاد (Pierre Poujade) الذي أضاف لأطروحة اليمين المتطرف فكرة الدفاع عن الجزائر الفرنسية، وقد تقدم سنة 1956 ممثلو حركته للانتخابات، وحققوا مفاجأة كبيرة، إذ حصلوا على 12% من الأصوات و50 نائباً في الجمعية العامة، كان من بينهم جون ماري لوبين الذي لم يكن يتجاوز وقتها 28 سنة.

وقد مثلت المسألة الجزائرية أرضية خصبة للولادة الجديدة لليمين المتطرف، فأسست الحركة البوجادية منظمة الجيش السري من أجل الدفاع عن الوجود الفرنسي في الجزائر سنة 1961، غير أن استقلال الجزائر سنة 1962، وفشل محاولات اغتيال دوغول فكك هذه المنظمة وعزل مكوناتها، فتحول بعضها لممارسة العنف، واتجهت مكونات أخرى لتأسيس "مجموعة أبحاث ودراسات من أجل الحضارة الأوروبية" (GRECE) سنة 1968، وكان ألان دو بينوا (Alain de Benoit) وبرينو ميغري (Bruno Mégret) أهم مؤسسيها.

ومع أواخر الستينيات سيواجه اليمين المتطرف بتكتل القوى السياسية ضده على خلفية ممارسته للعنف، وسيصدر في نوفمبر 1968 قرار حل أنشط تشكيلاته (Occident)[19]؛ مما دفع عدداً من قيادات هذا التيار مثل فرانسوا ديبار وألان روبير إلى تكوين مجموعة "النظام الجديد" سنة 1969 وجمع كل مكونات اليمين المتطرف[20] وباستلهام نموذج الحركة الشعبية الإيطالية[21]. وقد نجح في لم بعض مكونات اليمين المتطرف، والانعطاف للمشاركة السياسية، فشارك في انتخابات 1970، وحصل في المقاطعة الـ12 على 3.12 %، كما حصل في الانتخابات البلدية لسنة 1971 على 2.6% في باريس، واحتل مواقع متقدمة في بعض الدوائر مثل كاليس[22].

ومع الاختراقات الجزئية التي أحرزها هذا التنظيم، بدأت تتنامى دعوات داخله لتشكيل جبهة تجمع مكونات التيار اليميني المتطرف، فقام جون ماري لوبين بتأسيس الجبهة الوطنية سنة 1972، واختير لقيادتها بسبب سابق تجربته في الحقل السياسي وأيضاً بسبب رمزيته السياسية كأحد وجوه التيار اليميني المتطرف.

اليمين المتطرف الفرنسي ديناميات المشاركة:

عرف مسار مشاركة اليمين المتطرف في العملية السياسية منعطفات متعددة، دفعته إلى الخروج من وضعية التهميش إلى لعب دور مركزي في الحقل السياسي الفرنسي:

أ- سياق إرهاصات المشاركة السياسية:

نتوقف في تاريخ اليمين المتطرف الفرنسي عند ثلاث لحظات أساسية

 1. اللحظة الموراسية:

التي قاد فيها شارل موراس التيار اليميني المتطرف، وشارك في عملية انتخابية سنة 1919 ضمن لائحته الأصلية (الاتحاد الوطني) على الرغم من الصراع داخل مكونات التيار، وركز على قضية تقنين الهجرة، والتقليص من مدة الخدمة العسكرية، وإلغاء الإجراءات التي اتخذت ضد الكنيسة. غير أن النتيجة كانت محبطة، إذ لم يفز إلا مرشح اللائحة (Daudet) في باريس. غير أن الحضور السياسي لهذا المرشح أربك حسابات القوى السياسية الأخرى، وعقد تحالفات متعددة. وبسبب تنامي الأزمة السياسية، تنامى نفوذ اليمين المتطرف إلى درجة تحذير القوى السياسية من الانقلاب على الجمهورية الذي يمكن أن يقوم به هذا التيار، وهو الأمر الذي تسبب في هزيمته الانتخابية سنة 1924، وطرح تحدي مواجهة التيار الموراسي[23].

2. لحظة الحركة البوجادية:

عاش التيار اليميني المتطرف في شخص فصائله المختلفة فترة غير قصيرة من الهامشية، بسبب الصورة التي تمثلها المجتمع الفرنسي عن نظام فيشي؛ مما جعل بعض رموزه يفكرون في تطوير أطروحته، فظهرت الحركة البوجادية (Poujasdist movement) التي أسست حزب "الاتحاد من أجل الدفاع عن التجار والصناع التقليديين" (UDCA) للمشاركة في الانتخابات التشريعية لسنة 1956[24]، التي حصلت فيها على 11.5% من الأصوات، محصلة بذلك على 51 مقعداً.

3. لحظة حركة النظام الجديد

التي تأسست في أواخر الستينيات على خلفية تجميع مكونات اليمين المتطرف ضمن حزب عريض يستلهم النموذج الإيطالي (الحركة الاجتماعية الإيطالية) (MSI)[25]، وخاضت أولى مشاركاتها السياسية في انتخابات 1970، وحصلت على 3.12% من الأصوات في المقاطعة الـ12، وحصلت في الانتخابات البلدية سنة 1971 على 2.6% من أصوات الناخبين في باريس. وقد ساعدت هذه النتائج الإيجابية أعضاء الحركة على محاولة تعزيز خيار المشاركة السياسية بتقوية تحالفاتها مع مكونات أقصى اليمين[26].

ب- رحلة اجتياز الصحراء (1972-1981)[27]:

هكذا سماها جون ماري لوبين وهو يؤرخ لحزبه، ملفتاً إلى مرحلة هامشية الجبهة، إذ خرجت الجبهة الوطنية من الستينيات مثقلة بالخلافات الداخلية التي انعكست بشكل واضح في نتائجها الضعيفة في أولى مشاركتها في الانتخابات التشريعية سنة 1973، فحصلت على المستوى الوطني فقط على 1.32% من الأصوات[28].

وقد ضاعفت هذه النتائج خلافاتها الداخلية، وأثمرت خروج عدد من مناضلي حركة "النظام الجديد" مفضلين العودة للسرية والعنف.

وقد استثمر جون ماري لوبين هذه الوضعية، فحاول ضبط مكونات حركته، وأصر على عدم الانفتاح على يمين الوسط، آخذًا بذلك مسافة عن بعض رموز الجبهة الذين اختاروا تأسيس حزب يميني آخر هو "حزب القوى الجديدة"، وأحدث لوبين بعض التحيينات الجزئية على خطاب الجبهة تخص قضية الهوية والآخر المتربص بفرنسا[29]، ومع ذلك لم يحصل سوى على 0.62% من الأصوات في الانتخابات الرئاسية لسنة 1974، مكرسًا بذلك واقع هامشية الحزب[30].

ومع الجهد الذي قام به جون ماري لوبين في الانفتاح على حساسيات أخرى من أقصى اليمين، إلا أنه لم يستطع أن يحصل على أكثر من 0.29% في الانتخابات البرلمانية التي أجريت سنة 1978[31]، وتكرس واقع العزلة والهامشية عند محطة الانتخابات الرئاسية لسنة 1981، إذ لم يستطع جمع 500 توقيع للترشح للرئاسيات[32].

بداية الاختراق

بعد الأزمة التي خلفتها نتائجها الهزيلة، وعدم قدرتها على توفير النصاب للتنافس على الرئاسيات سنة 1981، عملت الجبهة على جمع مكونات أقصى اليمين، واستثمار الأزمة التي ضربت فرنسا أثناء حكم الاشتراكيين، وكذا الأزمة العالمية التي أرخت بظلالها على فرنسا (أزمة البترول الأولى 1973 والثانية سنة 1979)، إذ ارتفعت معدلات البطالة، وتفاقم العجز المالي وتنامي التضخم، وضعفت تنافسية القطاع الخاص، واستفادت الشركات الأجنبية خاصة الألمانية من هذا الوضع، واشتدت الحساسية من موضوع الهجرة، فاستثمرت الجبهة هذه الأوضاع[33]، وأنتجت خطاباً شعبوياً وظفت فيه قضايا الهجرة والأمن، وحققت بذلك اختراقاً مهمّاً بين 1981 و1983، وحصلت في الانتخابات التشريعية الجزئية على 13.6% في مدينة (Grande Synte) و12.6% في مدينة درو الغربية.

وفي سنة 1983 حصلت على 11.26% من أصوات الناخبين، وكانت حملة لوبين جد فعالة في الأحياء التي عرفت بارتفاع معدلات البطالة. ونجح ستيربوا بنسبة أصوات 16.72%.

وقد تعزز هذا الاختراق بتحقيق نتائج متقدمة في الانتخابات الأوروبية سنة 1984، إذ صوّت لصالحها حوالي مليونان من الشعب الفرنسي بنسبة أصوات تعادل 11.2%.

وقد دفعها هذا النجاح لتقوية بنيتها التنظيمية والتغلغل في الطبقات الشعبية والطبقة الوسطى والمثقفين، وتدريب نخبها، إذ آتت هذه الاستراتيجية أكلها في الانتخابات التشريعية سنة 1986[34]، وحازت على 9.65% من الأصوات (35 مقعدًا من أصل 577).

ج- من الاختراق إلى رقم أساسي في معادلة المشهد السياسي الفرنسي:

مع منتصف الثمانينيات، ستتعزز دينامية المشاركة الساسية للجبهة بالرهان على تقوية الجسم التنظيمي، والأداة التواصلية والانفتاح على الأوساط الأكاديمية، والتغلغل في مختلف شرائح الشعب الفرنسي، وإنتاج خطاب شعبوي قوي، ساعدها على مضاعفة شعبيتها والفوز في الانتخابات الرئاسية لسنة 1988 بنسبة 14.38% من الأصوات، إذ تضاعفت الأصوات مرتين بالمقارنة مع 1984 الانتخابات الأوروبية.

ومع أن أصواتها تراجعت بنحو ملحوظ في الانتخابات التشريعية التي أجريت في نفس السنة، أي 1988 (فقدت تقريباً نصف شعبيتها بالمقارنة مع الرئاسيات) إذ لم تحصل إلا على 9.7% من الأصوات، إلا أن الأمر كان يرجع بدرجة أساسية إلى تغيير نمط الاقتراع المعتمد، والعودة إلى نظام الاقتراع الأغلبي من دورتين بدل نظام التمثيلية النسبية باعتماد اللائحة.

وقد لجأت الجبهة، بسبب ضعف خزانها من المواد البشرية، إلى تغيير استراتيجيتها بالرهان على المدن الكبرى[35]، ورغم نتائجها الضعيفة في انتخابات 1988 (غطت الجبهة 214 مدينة من أصل 390 من المدن التي تفوق ساكنتها 20 ألف)، إلا أن نتائجها في الانتخابات البرلمانية لسنة 1989، أمنت لها 11% من الأصوات[36].

وعلى نفس النسق السابق في الالتفات إلى الداخل وتطوير الخطاب والأداة التواصلية، نجحت الجبهة بفضل جهود (ميغري) في إحراز تقدم مهم في الانتخابات الجهوية لسنة 1992[37]، إذ حصلت على 15% من الأصوات مضاعفة بذلك شعبيتها ثلاث مرات مقارنة بانتخابات 1986.

وتكرست مركزية الجبهة الوطنية كلاعب أساسي في المشهد السياسي الفرنسي في بقية الانتخابات التي أجريت بعد ذلك، فحصلت على 10.5% من الأصوات في الانتخابات الأوروبية سنة 1994، وحصلت في الانتخابات البلدية سنة 1995 على 1075 مستشاراً، وتمكنت من ضمان 14.9% من الأصوات في الانتخابات التشريعية لعام 1995.

واستمر صعود شعبية الجبهة في انتخابات 1997، إذ جذبت حوالي مليون مؤيد جديد، وحصل الحزب على 15.24% من الأصوات، وأصبحت بذلك القوة الثالثة في المشهد السياسي الفرنسي[38].

ورغم الأزمة العاصفة التي نشأت داخل الجبهة سنة 1998 بسبب الخلاف بين لوبين وميغري، وأثر ذلك على نتائج الجبهة في الانتخابات الأوروبية (5.7% من الأصوات فقط)، فإنه لم تمر سوى ثلاث سنوات فقط حتى حصلت الجبهة في الانتخابات الرئاسية لسنة 2002 على 16.9% من الأصوات، متجاوزة بذلك مرشح الحزب الاشتراكي ليونيل جوسبان (حصل فقط على 16.2%). وتمكن لوبين من الحصول على 17.8% من الأصوات في الدور الثاني، مكرساً بذلك مركزية الجبهة في قلب المشهد السياسي الفرنسي[39].

غير أن النتائج المحدودة التي حصل عليها الحزب في رئاسيات 2007 (10.50% فقط من الأصوات)، فجرت نقاشاً داخلياً حول آثار توجهات لوبين وبعض تصريحاته المثيرة للجدل، مما جعل مؤتمر الحزب لسنة 2007 يلح على مراجعة الخط الإيديولوجي للحزب[40]، مما اعتبر لحظتها مقدمة لتغيير القيادة، وهذا الذي حصل في يناير 2011، إذ تولت القيادة ابنته مارين لوبين.

د- ديناميات ما قبل التحكم في السلطة:

تمثل مرحلة مارين لوبين بدينامياتها المختلفة مرحلة بحث التيار اليميني المتطرف عن فرصة الإمساك بالسلطة، إذ عملت على تجاوز العقبات التي كانت تحول دون تغلغل الجبهة في مختلف الشرائح الشعبية الفرنسية، بما في ذلك إزاحة الشيطنة التي كرستها الأوساط الإعلامية عن الجبهة[41] باستغلال تصريحات جون ماري لوبين العنصرية[42]، وإبراز الوجه الحداثي للحزب والاهتمام بوضع المرأة[43].

وهكذا، منذ تولي مارين زمام قيادة الجبهة، لم تتعثر في مسارها الانتخابي في الاستحقاقات التي عرفتها فرنسا منذ 2011، فحصلت على 18.03% في رئاسيات 2012 بنسبة تزيد بـ 8% عما حصله والدها في رئاسيات 2007، كما فازت في السنة ذاتها في الانتخابات التشريعية على 13.77% مقارنة مع نسبة 4.29% التي حصلت عليها في انتخابات 2007، وحاولت الجبهة أن تحدث اختراقاً مهمّاً بالعالم القروي (الريفي)، ونجحت استراتيجيتها في تلميع صورة الجبهة وإيقاف الشيطنة الإعلامية لها، إذ أظهرت عدد من الاستطلاعات تراجع الذين يعتقدون أن الجبهة تشكل خطراً على فرنسا من 70 في المائة إلى 53 في المائة، وتنامى شعور الرأي العام بأن الجبهة هو حزب عادي مثل بقية الأحزاب الأخرى[44].

ونتيجة لهذه الاستراتيجية، حصلت الجبهة في الانتخابات البلدية سنة 2014 على 1534 منتخباً في 12 جهة، وسجلت بذلك أحسن نتيجة لها في تاريخ مشاركتها في الانتخابات البلدية بفرنسا.

وعلى مستوى الانتخابات الأوروبية لسنة 2014، فقد حصلت على 25% من الأصوات بواقع 24 نائباً في البرلمان الأوروبي، وحصدت أكثر من ربع الأصوات في الانتخابات الجهوية التي أجريت بفرنسا سنة 2015 بنسبة أكثر من 27% من الأصوات، وكرست موقعها كقوة سياسية أولى في فرنسا متجاوزة بذلك الحزب الاشتراكي واتحاد الحركة الشعبية[45].

نسبة الأصوات التي حصلت عليها الجبهة الوطنية في الانتخابات الرئاسية الفرنسية ما بين 1974-2012 (تركيب خاص)

 

نتائج الجبهة الوطنية في الانتخابات الأوروبية ما بين 1984 -2014 (تركيب خاص)

المقاعد التي حصلت عليها الجبهة القومية في الانتخابات الجهوية ما بين 1986-2015 (تركيب خاص)

صعود اليمين المتطرف: رؤية تفسيرية

ثمة عدد من الأطروحات التي حاولت تفسير صعود اليمين المتطرف في فرنسا، بعضها التفت إلى الجهد الذاتي للحزب بما في ذلك تطويره لبنيته التنظيمية وأداته التواصلية واستراتيجيته في التغلغل في الشرائح الاجتماعية وشكل خطابه[46]، فيما اهتمت أطروحات أخرى بأثر الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تفسير الصعود بعد أن كان اليمين المتطرف أقلية هامشية في المجتمع الفرنسي[47]، فيما حاولت أطروحات أخرى ممتعضة من صعود اليمين المتطرف الخروج من ثنائية الذاتي والموضوعي، مركزة على وجود أزمة ما داخل المجتمع الفرنسي تبرر هذا الاكتساح للمشهد السياسي الفرنسي[48].

1. أطروحة اشتغال اليمين المتطرف على بناء ذاته وتأهيل آلته الانتخابية:

تقوم هذه الأطروحة على نوعين من المؤشرات: الأولى إيجابية تثبت أثر الجهد الذاتي التي قامت به الجبهة الوطنية في تفسير صعودها الانتخابي، والثانية سلبية تثبت علاقة التراجع الانتخابي بإكراهات الوضعية التنظيمية للجبهة.

ففي سياق المؤشرات الإيجابية، احتج عدد مهم من الباحثين[49] بدور تحيينات الجبهة الوطنية، سواء على مستوى بنيتها التنظيمية أو تكتيكاتها الانتخابية أو خطابها أو برنامجها في تفسير صعودها الانتخابي، منها:

- التأهيل الذاتي الذي قامت به، إذ اشتغلت على تقوية بنيتها التنظيمية وتغلغلت في الطبقات الشعبية والطبقة الوسطى والمثقفين، وعمدت إلى تدريب نخبها وتأهيلها مما سمح لها بتحقيق تقدم مهم في انتخابات 1986 (حازت على 9.65% من الأصوات، وفازت بـ 35 مقعداً من أصل 577).

- راهن الحزب على تقوية جسمه التنظيمي، وتقوية أداته التواصلية مع الإعلام والانفتاح على الأوساط الأكاديمية، وأنتج خطاباً شعبوياً قوياً مكنه من مضاعفة شعبيته والفوز في الانتخابات الرئاسية لسنة 1988 بـ 14.38% من الأصوات، ومضاعفة أصواته مرتين بالمقارنة مع 1984 في الانتخابات الأوروبية، وقد حشد زعيم الحزب خطاباً شعبوياً قوياً نعت فيه الأحزاب الأربعة المنافسة له بـ"عصابة الأربعة"[50]. وقد نجح الخطاب الشعبوي في فرض ذاته على النقاش العمومي، واضطرت الأحزاب المنافسة للجبهة للانزلاق لمنطقها، وأصبحت تستعمل الهجرة والأمن في خطابها الانتخابي؛ مما دفع لوبين بانتقادها واعتبارها مجرد أحزاب ناسخة لخطاب الحزب[51]

- الجهود التي قام بها ميغري لتقوية أداء الحزب ومد شعبيته إلى كل الشرائح الشعبية والأوساط الأكاديمية وتحسين الأداة التواصلية، حيث نجحت الجبهة في إحراز تقدم مهم في الانتخابات الجهوية لسنة 1992 (15% من الأصوات مضاعفة بذلك شعبيتها ثلاث مرات بالمقارنة مع انتخابات 1986)[52].

- رهان الحزب على الانغراس في شرائح جديدة في المجتمع الفرنسي، بما في ذلك الهيئات التي كانت حكراً على اليسار، فقد صوت على لوبين في انتخابات 1995، التي حصل فيها على 14.9% من الأصوات، 30% من الأفراد ذوي الدخل المنخفض، و25% من العاطلين، و18.9%، ونافس في ذلك اليسار في قاعدته الانتخابية العمالية.

- جهود مارين في تحيين الخطاب الإيديولوجي للجبهة والتخلص من المواقف العنصرية لأبيها جان ماري لوبين واشتغالها على تحسين صورة الجبهة في الإعلام، ساعد الحزب في تقريب النخب من الجبهة الوطنية، إذ أظهرت استطلاعات الرأي المتتالية التي أجريت في فرنسا بعد سنة 2011 بداية التطبيع السياسي مع الجبهة الوطنية ورموزها[53].

أما المؤشرات السلبية فنذكر منها:

- ضعف استراتيجية الحزب في الاستقطاب منع من تكوين خزان من الموارد البشرية التي تساعده على تغطية كاملة للدوائر الانتخابية في الانتخابات البلدية لسنة 1988؛ مما اضطر الحزب إلى الاكتفاء بتغطية 214 مدينة من أصل 390، وكان لذلك أثر سلبي على النتائج المحصل عليها[54].

- الخلاف العاصف الذي نشأ بين قيادات الجبهة الوطنية (لوبين وميغري) أدى إلى تراجع كبير لشعبية الجبهة، إذ كان لترشيح لوبين زوجته على رأس اللائحة وقهقرة رتبة ميغري في نفس اللائحة أثر في حدوث انشقاق داخل الجبهة، دفع ميغري وأنصاره لمغادرة الجبهة والترشح باسم حزب آخر، وتلقت الجبهة ضربة قاصمة في الانتخابات الأوروبية (5.7% من الأصوات فقط)[55].

- ضعف تحيين أيديولوجية الحزب قبيل رئاسيات 2007، والتصريحات العنصرية للوبين مست بصورة الجبهة وتسببت في تراجع قاعدتها الانتخابية في انتخابات 2007.

هذه على العموم المؤشرات الإيجابية والسلبية التي بنيت عليها هذه الأطروحة، لكن، مع وجاهة هذه المؤشرات والحجج، إلا أن عليها ثلاثة مآخذ:

الأول، أن ثمة حالات بذلت فيها الجبهة جهوداً كبيرة على هذا المستوى، لكنها لم تحقق نتائج متقدمة، فما بين 1974 و1981 كان أثر جهود جان ماري لوبين النوعية على النتائج محدوداً، (0.29% في الانتخابات البرلمانية 1978)، ولم تستطع جمع 500 توقيع للتأهل للترشيح في رئاسيات 1981، وفقدت الجبهة نصف شعبيتها في الانتخابات البرلمانية (1988) مقارنة بانتخابات 1986[56].

الثاني، أن مراجعات الخطاب لم تكن في الجوهر أكثر من تحيينات لفظية أو اختياراً للغة دبلوماسية تؤدي نفس المضمون العنصري، باستثناء مراجعة الموقف من معاداة السامية[57]، فجهود مارين التصالحية مع المجتمع الفرنسي، اصطحبت نفس المضامين السابقة[58].

أما الثالث، فيرتبط بسياق الاشتغال على تقوية الذات وتحيين الخطاب، إذ يبرز استقراء تاريخ الجبهة السياسي أن هذه المهمة تكون فعالة في سياق الأزمة التي تشهدها البلاد، أو الأزمة التي تمس الأحزاب السياسية المنافسة.

2. أطروحة الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية:

وترتكز هذه الأطروحة على محدد الأزمة، فصعود الجبهة الوطنية في الانتخابات- بل صعود اليمين المتطرف في أوروبا- هو بسبب مخلفات الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتستند هذه الأطروحة على المؤشرات الآتية:

  - أن خروج الجبهة الوطنية من واقع العزلة الهامشية سنة 1983 كان بسبب تجربة الاشتراكيين في الحكم وعجزهم عن إنتاج حلول لارتفاع معدلات البطالة (تزايد البطالة إلى مليون و794 ألف و900 عاطل في مايو 1981 وتجاوزت مليونين في 1982 بمعدل تصاعد 12 في المائة)، وتدني الاستثمار وارتفاع نسبة التضخم وتنامي العجز المالي، إذ أدت الزيادة في الأجور إلى تقليص نسبة الربح بالنسبة للشركات، وتضاءلت فرص العمل، وتراجعت القدرة التنافسية للفرنك الفرنسي في السوق العالمية؛ مما ضاعف معاناة الشركات الفرنسية المصدرة للخارج، في مقابل استفادة الشركات الألمانية. وقد وظفت الجبهة هذه الأزمة ونقلتها من مستواها الاقتصادي والاجتماعي إلى تمظهرها الثقافي والهوياتي، مفتعلة قضايا الهجرة والهوية والأمن الثقافي.

  - أن سبب صعود الجبهة سنة 1983 يرجع إلى الغضب الواسع الذي ساد قطاعاً واسعاً من المحافظين بسبب قرارات وسياسات خاطئة قام بها ميتران، مثل قرارات إدماج المهاجرين غير الشرعيين والتسامح مع بيوت الصلاة؛ مما زاد من حساسية بعض شرائح المجتمع الفرنسي من موضوع الهجرة، وانزعاج المحافظين والكاثوليك من تنامي عدد المساجد (ارتفع عدد المساجد من عشرات المساجد في السبعينيات إلى 1000 مسجد في فترة حكم ميتران) ومن تنامي الهجرة المغاربية (من شمال إفريقيا)[59].

  - النتائج التي حققتها الجبهة الوطنية بقيادة مارين لوبين كانت بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي أنتجتها سياسات الاشتراكيين في عهد فرانسوا هولاند.

والواقع، أن هذه الأطروحة رغم وجاهتها، إلا أنها لا تعترف بنقاط قوة الأطروحة الأولى، وتلغي من جهة ثانية البدائل الأخرى المستفيدة من واقع الأزمة، إذ ليست الجبهة الوطنية هي المستفيد المحتمل الوحيد من الأزمة؛ مما يعني الحاجة إلى تفسير آخر يظهر سبب اختيار الناخب الفرنسي للجبهة الوطنية وليس غيرها في لحظات الأزمة. وهذا ما يبرر الأطروحة الثالثة.

3. أطروحة انغلاق النسق:

وتعتبر أن لجوء الناخب الفرنسي إلى الجبهة الوطنية ليس تعبيراً عن غياب الجواب عن الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وليس فقط تصويتاً عقابياً ضد أحزاب فشلت في إنتاج سياسات عمومية فعالة، ولكنه تعبير عن انغلاق النسق برمته، إذ لم يستطع النسق السياسي الفرنسي، العلماني الديمقراطي، أن يتجاوب مع تحديات الهوية والأمن والهجرة، وعجز حتى الآن عن تقديم إجابات تؤسس للمواطنة المتسامحة، وتبدد مخاوف شرائح عديدة من الشعب الفرنسي، كما لم يستطع النسق ذاته أن يقدم جواباً عن موقع الإسلام في فرنسا. وقد ذهب أحد الباحثين قريباً من هذا المعنى، حينما أطر أطروحته التفسيرية لصعود اليمين المتطرف في فرنسا بــاللاأمن الثقافي المهيمن على المشهد الفرنسي[60].

بيد أن الأمر لا يتوقف عند هذه الحدود، بل تظهر أزمة انغلاق النسق، في عجزه عن الإجابة عن تحديات العولمة وتداعيات اقتصاد السوق وحركة الرساميل الأجنبية وحرية عبور الأشخاص والسلع، والأثر الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي أحدثته سواء في شكل ارتفاع معدلات البطالة، أو في شكل تهاوي الطبقات الوسطى، أو في شكل ظهور أنماط ثقافية أعادت الاعتبار بشكل حاد للبعد الهوياتي من جديد في الوقت الذي لم تستطع أطروحة الحرية والتعدد الثقافي والديني أن تستوعبها.

ونتيجة لهذه الوضعية، أي انغلاق النسق العلماني، وعجزه عن مسايرة تحولات المجتمع الفرنسي، أخذت الحركات التي ترتكز في مرجعياتها على مناهضة هذا النسق في الصعود.

على أن الملفت في هذا التفسير أن بروز اليمين المتطرف وصعوده لا يخص حالة فرنسا فقط، بل هو أشبه ما يكون بموجة تجتاح أوروبا، وأمريكا أيضاً، تعبيراً عن حركة تمرد كبرى ضد النسق العلماني الديمقراطي بجميع أجوبته.

ومما يدعم هذا التفسير الانزياح الذي وقع في إيديولوجيات اليمين واليسار لجهة تبني بعض مفردات اليمين المتطرف، وبروز خلط كبير في الخطابات إلى درجة لجوء جاك شيراك ضمن حملته الانتخابية إلى تبني جزء من خطاب اليمين التطرف بخصوص الهجرة والأمن[61]. والأخطر من ذلك مزاج الرأي العام الفرنسي، الذي لم يعد ينظر إلى الأزمات باعتبارها محطات لتبرير التناوب السياسي بين النخب، وإنما صار يعتبرها مؤشرات إضافية على غموض مستقبل فرنسا، وعلى عجز النظام السياسي عن تقديم الإجابات.

سيناريوهات صعود اليمين المتطرف:

من الصعب التكهن بمستقبل اليمين المتطرف في الانتخابات الرئاسية الفرنسية الجارية، بسبب تغير نمط الديمقراطية الفرنسية ومحاولاتها محاكاة التجربة الأمريكية، وأيضاً بسبب نظام الاقتراع من دورتين المعتمد حالياً، والذي أقصى ما يتيحه أن يحصد اليمين المتطرف نتائج متقدمة في الدور الأول.

فإذا كان مؤكداً أن اليسار سيمنى بهزيمة مبررة، فإن مرشح الوسط الذي يحظى باهتمام كبير في استطلاعات الرأي الأخيرة يمكن أن يحقق نتائج متقدمة، كما أن اليمين، رغم الأزمة التي يتكبدها على خلفية الاتهامات التي مست مرشحه فرانسوا فيون في نزاهته المالية، إلا أنه لا يزال يتمتع ببعض الشعبية التي تجعله يمنع الجبهة الوطنية من تحقيق أكثر مما حققته في السابق (توقعات بأكثر من 25%[62]).

من هذه الجهة، وبحسب استقراء سياقات مشابهة، يرجح أن يتصدر اليمين المتطرف نتائج الانتخابات في دورها الأول، فالجبهة استمرت في تعزيز بنيتها التنظيمية وتحسين صورتها وتقوية أداتها التواصلية منذ استحقاقات 2012، وحافظت على تصاعد نتائجها، والسياق السياسي نفسه يخدمها، بسبب الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، وضعف اليسار، وأزمة الاتحاد الأوروبي (البريكست)، وفوز دونالد ترامب في الولايات المتحدة، والضربات التي يتلقاها مرشح اليمين، وإخفاق سياسات فرانسوا هولاند في كثير من الملفات أبرزها الملف الأمني والاقتصادي والاجتماعي.

لكن مع تضافر هذه العوامل، فلن تتمكن الجبهة على الأرجح من الفوز بالرئاسة بسبب نظام الاقتراع الأغلبي من دورين الذي يجعل الدور الثاني يصب في خدمة مناهضي الجبهة الوطنية.

صعود اليمين الفرنسي المتطرف: في تقييم الأثر

ثمة عدد من التخوفات التي تثار حول تداعيات صعود اليمين المتطرف إلى السلطة في فرنسا، وبشكل خاص على وضعية المسلمين في أوروبا وسياسات فرنسا المستقبلية تجاه المهاجرين، وعلاقاتها مع العالم العربي والإسلامي، وموقفها من التحولات الديمقراطية فيه، ومن قضايا الشرق الأوسط، وغيرها من القضايا والمواقف العنصرية التي تضمنها البرنامج السياسي للجبهة الوطنية.

غير أن المبالغة في تقييم أثر صعود اليمين على تغير السياسات في فرنسا في اتجاه عنصري، لا تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات صناعة القرار السياسي الفرنسي، وتداخل الداخل والخارج فيه، ومعادلة الاستقرار السياسي والأمني، وحسابات المصالح الخارجية للدولة الفرنسية، وأيضاً لمصالح النخب السائدة.

صحيح أنه بإمكان اليمين المتطرف أن يخلق بعض الزوابع- كما يحصل اليوم في التجربة الأمريكية- لكن العلاقات التي تحكم السلط في النظام الديمقراطي الفرنسي، واشتباك السياسة بالاقتصاد، وارتهان بعض المصالح الحيوية باستقرار المجتمع الفرنسي وتعدديته، هذا فضلاً عن المصالح الحيوية التي تربط فرنسا بدول شمال إفريقيا، سيجعل من الصعب الإقدام على تغييرات تقلب بشكل جذري سياسات الدولة العامة إزاء تلك القضايا.

كما أن التحدي الأمني سيدفع فرنسا، سواء تحت حكم اليمين المتطرف أو غيره، إلى الاستفادة من دور الإسلام والمساجد في مواجهة التطرف، والتنسيق مع بعض الدول المغاربية وطلب دعمها في التأطير الديني والتنسيق الأمني.

نعم بالإمكان أن تتجه فرنسا تحت حكم اليمين المتطرف إلى اتخاذ إجراءات تضييقية على المهاجرين، وربما إنتاج قوانين تساعد على التخلص من بعضهم أو تعديل قوانين الجنسية، لكن سياسات التعاطي مع الهجرة في أوروبا لا تدخل فيها معاملات الداخل فقط؛ فثمة أوراق كثيرة تملكها دول المغرب العربي لا تستطيع فرنسا في ظل اليمين المتطرف أن تتحمل كلفتها، في حالة الإصرار على انتهاج سياسات عنصرية تجاه المهاجرين. فدول المغرب العربي، وبشكل خاص المغرب، تقوم بدور مركزي في حماية الضفة الأوروبية من التحديات الأمنية المرتبطة بالإرهاب، والمخدرات والجريمة العابرة للحدود، والتجارة في البشر، وغسيل الأموال...الخ. ومن الأرجح أن تأخذ بفرنسا حساب مصالح هذه الدول بحكم تجاوز جالياتها المقيمة في فرنسا عتبة المليون؛ مما يعني أن تغيير السياسات بخصوص الهجرة أو الأمن أو الموقف من الإسلام ليست مسألة قرار سياسي يترجم إيديولوجية حزب معين، وإنما الأمر يخضع لحسابات دقيقة يتداخل فيها السياسي بالاقتصادي، والسياسي بالأمني، والداخلي بالخارجي[63].

أضف إلى ذلك مزاج الرأي العام، وإمكان إقناعه بالقرار السياسي المتخذ، والحساب الانتخابي والأخذ بعين الاعتبار حسابات الموقف الشعبي العام. فتجربة ترامب الحالية، والتي تمثل النموذج الأكثر إثارة وتخويفاً، لم تستطع إلى الآن أن تتجاوز هذه الصعوبات رغم الإصرار على اتخاذ بعض القرارات العنصرية (موضوع التأشيرة الأمريكية ومنع مواطني ست دول إسلامية من الدخول لأمريكا مثلاً).

ولذلك، فالتقدير أن تقييم أثر صعود اليمين المتطرف في فرنسا يمكن أن يرفع الحرج عن بعض الأنظمة السياسية في المنطقة المغاربية بخصوص ملف الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويمكن أن يدعم أيضاً الاتجاه إلى محاصرة الحركات الإسلامية المشاركة في العملية السياسية في الدول المغاربية، ويمكن على المستوى الداخلي أن يضع بعض القيود على الهجرة والجنسية، ويدفع فرنسا إلى انتهاج سياسة أمنية قطرية حمائية أكثر، لكن ذلك سيبقى محدوداً، ويمكن أن يثير ردود فعل سيكون من الصعب على حكومة يرأسها اليمين المتطرف أن يستوعبها.

 

[1]يقول (Alexandre Dézé) في مقدمة كتابه حول الجبهة الوطنية:"لم يدرس أي حزب كما درس حزب الجبهة القومية خلال الثلاثين سنة الماضية"، ص19.

Alexandre Dézé,2012; Le Front national :à la conquête du pouvoir ? Éditions Armand Colin, Paris. p19.

[2]من الدراسات المميزة في هذا الشأن:

Anthony J. McGann(1995) The Radical Right in Western Europe: A Comparative Analysis Herbert Kitschelt.

ونذكر أعمال روني ريموند الذي اعتبرت كتبه مرجعاً أساسيّاً في دراسة جذور التيار اليميني المتطرف في فرنسا، لاسيما كتابه اليمين في فرنسامن البعث الأول للجمهورية الخامسة والذي صدر بباريس سنة 2014

[3] Rémond (René) (1964) - La droite en France de la première Restauration la V° République. p37.

[4] يراجع كتاب ألان بينوا الموسوم بـ

Alain de Benoist, (2005) bibliographie générale des droites françaises, 4 Coulommiers : Éd. Dualpha, DL

[5]يتم في الغالب البحث عن جذور التيار اليميني في فكرة العودة للملكية والسيادة ونبذ النظام الجمهوري والنظام البرلماني، ويقدم نص لويس بونالد (De la souverainté)كأساس لهذا التأصيل.

[6]سفه ريفارول مفهوم سيادة الشعب كما أصل له فلاسفة الأنوار وكما نزلته الثورة الفرنسية، في مقال حول سيادة الشعب la souveraineté du peuple نشر في كتاب (Pensées inédites de Rivarol) وتم نشره سنة 1836.

Rivarol, Antoine 1753-1801) ; Paris ; imprimerie ; Paris : J.-A. Boudon.

[7]تراجع دراسة القومية عند باريس

Schenker, Maud Hilaire (2007) ; Le nationalisme de Barrès : Moi, la terre et les morts Paroles gelées, university of California 23(1) p 6-16.

الرابط الإلكتروني:

http://escholarship.org/uc/item/8p45g78n

[8]ثارت قضية دريفوس (L’affaire Dreyfus) في المجتمع الفرنسي في نهاية القرن التاسع عشر في عهد الجمهورية الفرنسية الثالثة، وذلك على إثر اتهام النقيب ألفريد دريفوس بالخيانة وبعث ملفات سرية إلى ألمانيا، وكان يهوديّاً فرنسيّاً. وقد تنازعت آراء المجتمع الفرنسي حولها خلال اثني عشر عامًا من 1894 وحتى 1906 بين مؤيدين لدريفوس مقتنعين ببراءته (الدريفوسيين les dreyfusards) ومعارضين له معتقدين أنه مذنب (les antidreyfus).

[9]يقول ريموند في مقدمة كتابه فرنسا اليهودية: "نجد شعباً كاملاً يشتغل من أجل أن تقوم فئة قليلة من اليهود بالاستفادة من ثمرة عمله لأنها تمسك بخيوط نظام واسع من الاستغلال المالي". ص 4.

Edouard Drumont (1886) ; La France juive : essai d'histoire temporaire ; Tome 1 ; C.Marpon et E.Flammario Edition 43 ; Paris

[10]تتمحور أفكار شارل موراس على مفهوم القومية الكاملة، فالوطنية حسب شارل موراس لا يمكن أن تتصور بوجود تنارع بين القوى السياسية، وإنما تستمد شرعيتها بشكل كامل بوجود نظام سياسي (الملكية) يجمع ولا يفرق، يتمتع فيه الملك بسطات واسعة. يراجع:

Charles Maurras (2003), Mes idées politiques Broché. p 136.

[11] يقول شارل موراس في مقدمة كتاب (Manuel du royaliste) لصاحبه (de Firmin Bacconnier): "الجمهورية تموت. تموت في حد ذاتها لأن مبدأها يحمل معه داءها الرئيسي". النص مأخوذ من موقع موراس الذي أعاد نشر أعماله وأدبياته وجميع مقالاته. ص 4انظر نص المقدمة على الرابط:http://maurras.net/pdf/maurras_preface-manuel.pdf

[12] Laurent Joly (2006), Les débuts de l'Action française (1899-1914) ou l'élaboration d'un nationalisme antisémite, Revue Historique T. 308, Fasc. 3 (639), RELIGION ET SOCIÉTÉ), Presses Universitaires de France pp. 695-718.

[13]Olivier Dard, Michel Grunewald (2009), Charles Maurras et l'étranger, II Broché – 20 mai, Edition Peter land, p74.

[14]Charles Maurras (1908), Enquête sur la monarchie, nouvelle librairie nationale, Paris. p 458.

[15]تراجع أفكار شارل موراس حول الملكية والجمهورية والنظام البرلماني والقومية الكاملة في كتابه أفكاري السياسية.

Charles Maurras ; Mes idées politiques Broché, 8 avril 2003.

[16]يراجع بتفصيل مسار حركة العمل الفرنسي في وثيقة إلكترونية منشورة بموقع شارل موراس الذي ينشر أدبيات اليمين المتطرف بفرنسا، وهي تاريخ "حركة العمل الفرنسي" Marie Lan Nguyen, (2004) Historique de l’Action française.

على الرابط الآتي:http://maurras.net/pdf/divers/Historique%20de%20l'Action%20fran%E7aise%20%20Marie%20Lan%20Nguyen.pdf

[17]أحمد بهاء عبد الرزاق،" الجبهة الشعبية في فرنسا ودروها السياسي 1935-1938"، مجلة كلية التربية للبنات للعلوم الإنسانية التربية، جامعة الكوفة، عدد 17، السنة التاسعة، 2015، (ص 344- 362).

[18] انظر تفاصيل هذه الأحداث التاريخية في:

Novick (Peter)(1985) : L’Epuration française 1944-1949, préface de Jean-Pierre Rioux, Paris, Balland.

[19] Crépon, ibid, 2012.

[20] Kitschelt 1995, ibid, p94.

[21] Dézé 2012, ibid, p41.

[22] DeClqir 1999,ibid,p 36.

[23] Marie Lan Nguyen IBID.

http://maurras.net/pdf/divers/Historique%20de%20l'Action%20fran%E7aise%20%20Marie%20Lan%20Nguyen.pdf

[24] Herbert Kitschelt(1995) ; The Radical Right in Western Europe A Comparative Analysis; In collaboration with Anthony J. McGann; University of Michigan Press; P 92

[25] Politics on the Fringe: The People, Policies, and Organization of the French National Front. Durham, North Carolina: Duke University Press, 1999p 36.

[26] IBID, p 36-37

[27] IBID, p42

[28] Camus yeves(1996) Le Front national, histoire et analyse, Éditions Olivier Laurens, Paris. p21

[29] Camus Yeves, ibid.

[30]Nonna Mayer, Pascal Perrineau (1996) Le Front national à découvert ; Paris; Presses de la Fondation nationale des sciences politiques, P 30.

[31] IBID

[32] Kitschelt 1995, p 97

[33] Danile Stockemer (2017), The Front National in France: Continuity and Change Under Jean-Marie Le Pen, library of Congress; Springer international publishing AG, Switzerland, p 13-14

[34] Déze, ibid, 2012,p 86.

[35]DECLAIR, E. (1999), Politics on the Fringe: The People, Policies and Organization of the French National Front, Durham, Duke University Press. p90-91.

[36] DeClair, 1999, ibid, p 91.

[37] DeClair, 1999, ibid, p 92.

[38] DeClair, 1999, ibid, p 104.

[39] Crépon (2012) Enquête au cœur du nouveau Front national Paris, Nouveau Monde éditions, 2012, p 66

[40]Danile Stockemer, The Front National in France: IBID, P 23.

[41]Daniel Stockemer(2017) The “new Discorse of the Front National (FN) under Marine Le Pen: A slight change with a big impact p5-10 SAGE Journals, Vol 32, Issue 2.

ويمكن التماس الدراسة أيضا على الرابط:https://ecpr.eu/Filestore/PaperProposal/6a3d620c-7826-4eec-8cb8-e9333892ef45.pdf

[43]James Shields (2013) ; Marine Le Pen and the ‘New’ FN: A Change of Style or of Substance? Parliam Aff (2013) 66 (1): 179-196.

[44] Danile Stockemer, The Front National in France, IBID, P24.

[45] Paul Laubacher Municipales, pour le Front national, un succès déjà historique ; le 23 mars 2014

http://tempsreel.nouvelobs.com/politique/elections-municipales-2014/20140323.OBS0928/municipales-premiere-victoire-symbolique-pour-le-front-national.html

[46]تراجع دراسة (Jean-Yves Camus) المعنونة بـ

The extreme right in France:Redrawing of the map to be expected

ونشرت في كتاب جماعي حول اليمين المتطرف في أوروبا بعنوان هل أوروبا على الطريق الصحيح؟

)IS EUROPE ON THE“RIGHT” PATH?Right-wing extremism and right-wing populism in Europe(

وقام بجمع مادة الكتاب وتحرريه كل من (Nora Langenbacher, Britta Schellenberg ed) ونشرته مؤسسة فريديرك إيبرت 2011. ص 83-100.

[47]تراجع دراسة:

Michelle Hale Williams (2011), A new era for French far right politics?Comparing the FN under two Le Pens, Análise Social, vol. XLVI (201), p679-695

[48]نشير لأطروحة لورن بوفي التي ضمنها في كتابه اللاأمن الثقافي.

Laurent Bouvet (2015), L'insécurité culturelle, Edition Fayard, Paris.

[49]منهم كامي، ومايير، وباسكال كريبون وغيرهم.

[50]يرمز في ذلك لأربعة أحزاب التي حكمت فرنسا في هذه الفترة وهي التجمع من أجل الجمهورية، الاتحاد من أجل الديمقراطية الفرنسية، الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي الفرنسي، يرمز بذلك للفساد.

تراجع في هذا الخصوص الورقة البحثية التالية التي تركز على ملامح الخطاب الشعبوي لزعيم الجبهة الوطنية.

Bornschier, Simon, (2005), Do Right-Wing Populist Parties constitute a European, Party Family? A Comparison of their Programmatic Profile and their Positioning in Political Space, Paper prepared for the workshop „Reflexive Modernisierung von Politik: Transformation von Staatlichkeit und gesellschaftlichen Konfliktlagen“, Ludwig-Maximilians-Universität Münchenm, p23.

[51] Cas Mudde (2007), Populist Radical Right Parties in Europe Cambridge University Press, p 241

[52] Dézé, ibid, p83.

[53]Danile Stockemer, IBID, P24.

[54] Nonna Mayer, Pascal Perrineau, IBID, p 41.

[55]Jens Rydgren (2004); The Populist Challenge: Political Protest and Ethno-nationalist Mobilization in France, Berghahn Books, p 18.

[56]ثمة تفسير يخص هذا التراجع بدرجة أساسية بتغيير نمط الاقتراع المعتمد والعودة إلى نظام الاقتراع الأغلبي من دورتين بدل نظام التمثيلية النسبية باعتماد اللائحة.

[57]في مقابلة تلفزيونية أجرتها الصحفية (Apolline de Malherbe) مع مارين زعيمة الجبهة الوطنية لصالح (BFM Politique) بتاريخ 7/12/2014 عبرت عن خطاب جديد بخصوص معاداة السامية، وربطت معاداة السامية بالإسلام، واعتبرت أن مشكلة فرنسا ليست هي السامية وإنما هي التطرف الإسلامي الذي يتعرض لليهود، وهو خطاب جديد غير مألوف داخل التيار اليميني المتطرف الذي كان يحمل اليهود مسؤولية كل الشرور الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها فرنسا.

[58] Michelle Hale Williams (2011), A new era for French far right politics?

Comparing the FN under two Le Pens, Análise Social, vol. XLVI (201), p 689-692.

وقد تم نشر الدراسة على الرابط الآتي: http://analisesocial.ics.ul.pt/documentos/1328742509O5kCE7xw4Qr70ON5.pdf

[59]يذكر دانيال ستوكيمير (Danile Stockemer) أنه في سنة 1946 لم تتعد الهجرة المغاربية من شمال إفريقيا 2.3 في المائة من مجموع الأجانب في فرنسا، في مقابل 88.7% من المهارجين الأوروبيين، لكن مع سنة 1982، تقلصت نسبة المهاجرين الأوروبيين إلى 47.6% مقابل 38.5% مهاجري شمال إفريقيا انظر:

Danile Stockemer, IBID, p14

[60]يراجع كتاب اللا أمن الثقافي لمؤلفه لورون بوفي، ففيه تأصيل لهذه الأطروحة.

Laurent Bouvet (2015), L'insécurité culturelle, Edition Fayard Paris.

[61]في انتخابات الدور الثاني من رئاسيات 2002، وفي عز الحملة الانتخابية، حاول جاك جيراك استقطاب جزء من القاعدة الانتخابية لليمين المتطرف ووعد بالتطبيق الصارم للقانون فيما يخص قضية الهجرة مندداً في الوقت نفسه بخطاب الكراهية.

[62]أجريت عدد من الاستطلاعات التي بوأت مارين أكثر من 25 في المائة منها استطلاع (Ifop-Fiducial) الذي أجري لفائدة Paris Match, CNews et Sud Radio، ما بين 10 و13 مارس 2017، وحصلت مارين على 26.5 في المائة وماكرون على 25 في المائة وفيون على 19 في المائة. ومنها أيضا استطلاع رأي (Opinionway-Orpi) الذي أجري ما بين 10 و12 مارس 2017، والذي منح مارين 27 في المائة وماتركون 25 في المائة، وفيون 20 في المائة.

[63]من ذلك الصعوبات المؤسسية والسياسية والقانونية وما يرتبط بالعلاقات الدولية وتقدير مصالح الولايات المتحدة الأمريكية التي تعيق تنفيذ ترامب لسياساته تجاه الهجرة والمهاجرين من بلدان العالم العربي والإسلامي.

شارك :

التعليقات (1)

أضف تعليق